ثمة لحظات في عمر الدول لا يكون الخطر فيها سقوط الدولة وإنما بقاء اسمها قائما بينما تتآكل وظيفتها ويتوزع قرارها وتتشتت إرادتها بين قوى ومراكز نفوذ لم تعد ترى في الدولة مرجعية لها بقدر ما تراها مساحة قابلة للاقتسام وأظن أن اليمن قد دخلت هذه اللحظة..ليس لأن اليمنيين اختلفوا فالاختلاف سنة من سنن السياسة وليس لأن القوى السياسية تعددت فالتعدد في ذاته ليس جريمة سياسية وإنما لأن التعدد خرج من إطاره الطبيعي فتحول من تعدد في الرؤى إلى تعدد في مراكز القرار ومن اختلاف في البرامج إلى اختلاف في المرجعيات ومن تنافس سياسي إلى تأطير مستمر للمجتمع والدولة والاقتصاد وهنا يبدأ ما أسميه عهد الثالوث اليمني.
انقسام سياسي وتأطير اقتصادي وتعدد مراكز النفوذ..كل ضلع يغذي الآخر فالانقسام ينتج نفوذا والنفوذ ينتج مصالح والمصالح تحتاج إلى تأطير اقتصادي يحميها ثم تعود المصالح الاقتصادية لتمنح الانقسام أسبابا جديدة للاستمرار وهكذا تدور الدائرة والدولة في منتصفها تدفع الثمن ولست على يقين من أن من تصدروا المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي يستحقون دائما وصف النخب فالنخبة ليست من يملك المنصب أو المال أو القدرة على الوصول إلى القرار وإنما من يدرك أن موقعه مسؤولية قبل أن يكون امتيازا ولهذا فإن بعضهم أقرب إلى الثقوب السوداء التي لا تنتج ضوءا وإنما تبتلع ما حولها من قرار وموارد ومجال عام وهذه أخطر مراحل الدولة حين يصبح الذين استفادوا من ضعفها هم أنفسهم من يقررون كيفية إنقاذها.
الدولة ليست طرفا في الصراع بل هي الإطار الذي يحتكم إليه الجميع وحين تصبح طرفا يصبح السؤال من يملك الدولة بينما السؤال الصحيح هو كيف تستعيد الدولة ملكيتها العامة للقرار.
اليمن لا تحتاج إلى مزيد من الترتيبات التي تجعل الانقسام قابلا لإعادة الإنتاج وإنما تحتاج إلى بناء دولة تقوم على سلطة واحدة للقانون ومؤسسات واحدة للقرار وموارد عامة لا تخضع للمساومة السياسية..ولا أدعو إلى نفير الحرب فقد دفعت اليمن ما يكفي من الدم وإنما أدعو إلى نفير الدولة نفير قانوني وسياسي واقتصادي ومجتمعي يستعيد معنى الدولة ويعيد الاعتبار للقضاء والمؤسسات الرقابية ويحرر القرار الاقتصادي من الابتزاز السياسي ويجعل المال العام مالا عاما بالفعل.
فمعركة اليمن الحقيقية ليست فقط مع الفقر أو الحرب أو الانقسام وإنما هي معركة استعادة الإرادة السياسية الدولة أولا قبل الأشخاص والأحزاب والمكونات ومراكز النفوذ والمصالح فاليمن لا تحتاج إلى متنفذين يتحدثون باسم المستقبل وإنما تحتاج إلى رجال دولة.
















