> «الأيام» غرفة الأخبار:
بعد أكثر من عقد على انحسار الموجة الكبرى للقرصنة الصومالية، تعود مشاهد السفن المختطفة والقوارب المسلحة إلى خليج عدن والمياه المحيطة بالصومال. ويكشف هذا التصاعد، بحسب خبراء ومسؤولين تحدثوا إلى صحيفة "النهار" اللبنانية أمس، عن عودة قدرات قديمة إلى العمل في بيئة باتت أكثر ملاءمة لاستثمارها، أكثر مما يعكس ظهور قراصنة أشد قوة.
يضع هانس تينو هانسن، الرئيس التنفيذي لشركة "ريسك إنتليجنس" الدنماركية المتخصصة في المخاطر البحرية، التهديد ضمن معادلة من 3 عناصر هي القدرة والفرصة والنية. وفي تقديره، بقيت القدرة قائمة، إذ لا يتطلب الهجوم سوى رجال وقوارب وإمدادات وجهاز ملاحة، وربما هاتف يعمل بالأقمار الصناعية وأسلحة محمولة، ما يتيح توسيع نطاق العمليات سريعًا.
أما الفرصة، فيرى هانسن، أنها اتسعت. فمع انخفاض الحوادث، خففت بعض شركات الشحن إجراءاتها، واقتربت بعض المسارات من الساحل الصومالي لتقليل زمن الرحلات. كذلك تراجع الانتشار البحري الدولي لمكافحة القرصنة، بعد توجيه قطع عسكرية إلى مهمات أخرى، تشمل مواجهة المصالح الروسية والتعامل مع أزمات البحر الأحمر والخليج، فيما بقيت البحرية الهندية استثناءً بارزًا.
وبحسب ليندلي، تتاح أفضل فرص إحباط عملية القرصنة خلال نافذة زمنية قصيرة تبدأ مع اقتراب القراصنة من السفينة، وتمتد عبر مرحلة الصعود إليها والفترة الأولى التالية للسيطرة عليها. وبعد دخولها المياه الإقليمية الصومالية، يصبح التدخل أكثر صعوبة بكثير.
وتوضح عملية "أتالانتا" الأوروبية أن التدخل يبقى ممكنًا بعد دخول السفينة المياه الإقليمية الصومالية، لكنه يتطلب موافقة الحكومة الفيدرالية. وحتى مع صدور الموافقة، تتأثر العملية بالقدرات المتاحة والوضع القانوني للمشتبه بهم وسلامة الرهائن والطقس. لذلك، لا يجعل تحديد موقع السفينة تحريرها أمرًا تلقائيًا.
ومن منظور صناعة الشحن، يرجح ياكوب لارسن، كبير مسؤولي السلامة والأمن في "بيمكو"، أكبر جمعية دولية للقطاع، أن تكون بعض تدابير الحماية قد خففت مع انحسار التهديد. لكنه يؤكد أن القطاع أكثر استعدادًا مما كان قبل 15 عامًا، بفضل خبرته السابقة.
ويقول لارسن إن "الحماية تشمل اليقظة، وتجنب مناطق الخطر، وزيادة السرعة، والمناورات المراوغة، والحواجز، وأحيانًا الحراس المسلحين، إلى جانب دوريات عسكرية ذات تفويض واضح". ويلفت إلى أن غالبية السفن المختطفة خلال 2026 كانت صغيرة ومنخفضة الجوانب وبطيئة.
ولا تمثل السيطرة على سفينة سوى نصف العملية. ويميز فيديريكو فاريزي، أستاذ علم الاجتماع في معهد العلوم السياسية في باريس والمتخصص في الجريمة المنظمة، بين القدرة على الصعود إلى سفينة والسيطرة عليها، والقدرة على إدارة عملية اختطاف مقابل فدية. فبينما تستطيع مجموعة صغيرة مهاجمة هدف ضعيف، يتطلب تحويل الاختطاف إلى عائد مالي احتجاز السفينة وطاقمها لأشهر، وتأمينهما حتى انتهاء المفاوضات.
ويقول فاريزي إن "هذه التجارة تحتاج إلى بنية برية تضم مستثمرين ومراسي وحراسًا وإمدادات ووسطاء، والأهم من ذلك توفير الحماية من سلطات محلية وجهات مسلحة". ويشدد على أن القراصنة اشتروا من شبكات حكم قائمة خدمات الحماية والمرور والإمداد وتسوية النزاعات، من دون أن يسيطروا على الأراضي.
لذلك، يتوقف تحوّل الهجمات المتفرقة إلى سوق قرصنة مستدامة على قدرة الشبكات على احتجاز سفن عدة في الوقت نفسه، وتأمينها وإمدادها، وإدارة مفاوضات الفدية لفترات طويلة، أكثر من عدد الهجمات وحده. وتقوم هذه المنظومة على شبكة مترابطة من المنفذين والمستثمرين ومقدمي الحماية والوسطاء، خارج إطار تنظيمي هرمي. وحتى حين تنحسر القرصنة، تبقى الخبرات والعلاقات التي تجعل إعادة تنشيط السوق أسرع كثيراً من إعادة بنائها.
وتوفر أي فدية ناجحة رأسمالاً للقوارب والوقود والأسلحة ودفعات الحماية، وتمنح السوق مصداقية تثبت أن نموذج القرصنة مربح. ويرى فاريزي أن نجاح هذا النموذج ارتبط بقدرة القراصنة على شراء خدمات حوكمة تحمي نشاطهم.
ويضيف عبدي عمر بيلي، الباحث في معهد "سيدرا"، بعدًا محليًا إلى الصورة، موضحًا أن الشبكات البشرية والمالية واللوجستية التي دعمت موجة القرصنة السابقة لم تختفِ تمامًا، ويمكن إعادة وصل حلقاتها بسرعة. ويربط اتساع الفرصة الحالية جزئيًا بانشغال قوة الشرطة البحرية في بونتلاند بقتال تنظيم "داعش" في جبال المسكاد، ما استنزف جانبًا من مواردها وأضعف حضورها على الساحل، خصوصًا في المناطق النائية.
وهنا تكمن خطورة العودة الحالية. فالقراصنة يحتاجون إلى إعادة تشغيل نموذج قديم في وقت أصبح فيه الردع أكثر تقييدًا وفرص الربح أكبر.












