​لم يعد خافيًا على أحد أن المعركة الدائرة اليوم مع مليشيات الحوثي الانقلابية لم تعد مجرد جولة عابرة من جولات الصراع الممتد، بل هي اللحظة التاريخية الفارقة التي تتطلب حزمًا لا يقبل التردد أو التراجع، ووضوحًا لا تشوبه الرهانات الخاسرة.

إن المضي نحو تحرير صنعاء لم يعد خيارًا تكتيكيًا يخضع لمناورات السياسة، بل هو ضرورة وجودية لانتشال الجغرافيا من براثن الارتهان. لقد أثبتت التجارب المريرة، وتكرار المحاولات العبثية، أن السلام مع المليشيات الحوثية ليس سوى سراب، وأن هذه الجماعة لا ترى في الاتفاقيات أو دعوات التهدئة إلا استراحة محارب لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الصفوف، للانقضاض مجددًا على ما تبقى من مقومات الدولة والمجتمع.

ولذلك، فإن الخوف الحقيقي، والهاجس الذي ينبغي أن يؤرق كل قلم وطني وكل عقل استراتيجي، يتمثل في توقف المعارك، أو الرضوخ لضغوط خارجية مضللة، قبل سحق هذه البنية المليشياوية عسكريًا، لأن أي توقف مبكر قبل الحسم التام يعني ببساطة تأجيل المذبحة، لا إلغاءها.

أمام هذا الخطر الوجودي الماحق، تتشكل ضرورة قصوى للالتفاف حول القوات العسكرية التي تخوض غمار هذه المعركة المصيرية، بشتى مسمياتها وتشكيلاتها وخلفياتها. إن هذه القوات، المرابطة في خطوط النار والمتقدمة نحو معاقل الانقلاب، تمثل خط الدفاع الأول والأخير عن الكرامة والسيادة، وتستوجب دعمًا سياسيًا ولوجستيًا وشعبيًا لا محدودًا. لم يعد الوقت يتسع للتباينات، فالبنادق التي تتجه صوب الحوثي اليوم، هي التي ترسم ملامح الخلاص لغدٍ مشرق، وهي التي تتحمل العبء الأكبر في تصحيح مسار التاريخ، الذي حاولت المليشيا حرفه بقوة السلاح وفرض الأمر الواقع، في محاولة يائسة لاستنساخ نماذج حكم شمولية عفى عليها الزمن.

إن الانتصار المرتجى على الانقلاب الحوثي لا تتوقف حدوده عند تخوم العاصمة، بل يتجاوزها ليحدث زلزالًا جيوستراتيجيًا يودي بالمشروع الإيراني في اليمن والمنطقة إلى مثواه الأخير. لقد أُريد لليمن أن يكون خنجرًا مسمومًا في خاصرة الإقليم، ومنصة دائمة لابتزاز المحيط، وتهديد الأمن القومي العربي، وخطوط الملاحة الدولية. وبالتالي، فإن وأد هذا المشروع في مهده، وإسقاط أدواته في صنعاء، هو الضمانة الفعلية والوحيدة لإعادة صياغة أمن المنطقة على أسس متينة، خالية من بؤر الصراف والتوتر، المزروعة طائفيًا وسياسيًا لصالح عواصم خارجية لا تكترث أبدًا لخراب أوطاننا وتفتيت مجتمعاتنا.

ولا يقتصر أثر هذا الانتصار الحتمي على البعدين الإقليمي والعسكري، بل يلامس العمق الاجتماعي الذي يئن تحت وطأة هذه الغمة الكبرى. إن سحق المليشيا يمثل إعلانًا بانتهاء أسوأ حقبة ظلامية، وهو الكفيل برفع المعاناة المركبة عن كاهل الإنسان اليمني، جنوبًا وشمالًا. لقد عطل الحوثيون عجلة الحياة، وصادروا المستقبل، ومزقوا النسيج الاجتماعي بفرز طائفي مقيت، ولن تعود الروح إلى هذا الجسد المنهك إلا باجتثاث جذور الانقلاب، لتُفتح الأبواب مشرعة أمام عودة مؤسسات الدولة، ودوران عجلة التنمية التي طالما كانت الضحية الأولى لجنون الحرب والتطرف، تمهيدًا لبناء استقرار محلي مستدام.

وفي خضم هذه التضحيات الجسام، تبرز قوات العمالقة الجنوبية الشجاعة كأيقونة فريدة للوفاء والبسالة، مقدمةً دماء أبنائها بسخاء منقطع النظير في سبيل دحر هذا الخطر المشترك. إن ما تسطره هذه القوات من ملاحم بطولية ليس مجرد أداء لواجب عسكري طارئ، بل هو تعبير مكثف عن التزام أخلاقي وسياسي لا يمكن القفز عليه أو تجاهل دلالاته العميقة.

 هذا الوفاء الجنوبي، المعمد بالدم في أشرس الجبهات، يفرض استحقاقًا سياسيًا وتاريخيًا موازيًا، يتمثل في الأهمية القصوى لحل القضية الجنوبية حلًا عادلًا ومستدامًا يلبي تطلعات أبنائها. لا يمكن أن يستقيم أي نصر، أو يتحقق استقرار شامل، دون أن يكون الإنصاف السياسي حاضرًا بقوة، تتويجًا لتلك الشراكة الميدانية التي دفعت فاتورة التحرير الباهظة. 

بلا أدنى شك فإن تحرير صنعاء هو طريق الخلاص لليمن بأسره، وهو ذاته الطريق الذي يجب أن يُعبد بالاعتراف بالحقوق، لكي يكون النصر القادم نصرًا للإنسان، وللعدالة، وللمستقبل الذي يتسع للجميع دون تهميش أو استقواء.