هناك خطأ صغير ارتكبناه في حق اليمن حتى كاد يتحول إلى خطأ في الوعي: خلطنا بين ما حدث لليمن، وما هو اليمن. فحين يمرض إنسان نحبه لا نختصر اسمه في مرضه، ولا نقدمه للناس باعتباره العلّة التي أصابته؛ نعرف أن المرض حادثة في جسده، وليس هويته. فلماذا نفعل ذلك بالأوطان؟

حدثت في اليمن حروب وأزمات وانقسامات وفقر ونزوح، لكنها ـ مهما طالت ـ أحداث وقعت لليمن، وليست تعريفًا لليمن. فاليمن أقدم من أزماته، وأوسع من خلافاته، وأعمق من نشرات أخباره.

وربما أخطر ما تفعله السنوات الصعبة ليس ما تهدمه من جدران، بل ما تحاول أن تهدمه في تعريف الإنسان لنفسه؛ أن يقتنع اليمني بأن الفوضى طبيعته، وأن الخصومة قدره، وأن السلام حالة غريبة عنه.

لكن لو كان اليمن هو الحرب فقط، فمن الذي ظل طوال هذه السنوات يفتح متجره صباحًا، ويخبز الخبز، ويعلّم الأطفال، ويعالج المرضى، ويزرع الأرض، ويرسل إلى أسرته، ويفتح بابه لجاره، ويقول لطفل خائف: لا تخف، أنا هنا؟

هؤلاء أيضًا اليمن. وربما هم اليمن الذي لا يظهر كثيرًا في نشرات الأخبار.

ولو أخذنا خريطة اليمن وبدأنا نصغّرها سنصل من المحافظة إلى المدينة، ومن المدينة إلى الحي، ومن الحي إلى الشارع، ثم إلى باب صغير… وخلف ذلك الباب أسرة، وهي نسخة مصغرة من الوطن.

في البيت يتعلم الطفل معنى العدالة قبل أن يسمع بكلمة القانون، ويتعلم الحوار قبل أن يرى طاولة مفاوضات، ويتعلم المواطنة حين يعرف أن له حقًا ولأخته الحق نفسه، ويتعلم التعايش حين يكتشف أن أخاه قد يختلف عنه ويظل أخاه. لهذا قد يبدأ بناء وطن كامل بجملة تقولها أم لطفلين متخاصمين:«اسمع أخاك أولًا.»

فالأوطان الكبيرة تتدرّب على أخلاقها في الأماكن الصغيرة.

ولعل أخطر ما يمكن أن نورثه لأطفال اليمن ليس الفقر، بل خصومات جاهزة للاستعمال: هؤلاء منا وهؤلاء منهم، هذه المنطقة كذا، وتلك الجماعة كذا، وفلان فعل بأجدادنا كذا… ثم نطلب من الطفل عندما يكبر أن يبني وطنًا مع الأشخاص الذين أمضينا طفولته ونحن نعلّمه الخوف منهم.

أطفالنا لم يوقّعوا على خلافاتنا، فلا ينبغي أن نسلّمهم مفاتيحها ونقول: أكملوا من حيث توقفنا.

وقد يكون أعظم ميراث يتركه جيل للجيل الذي بعده ليس ما أعطاه إياه، بل ما رفض أن يورثه له. وحين نتحدث عن إعادة إعمار اليمن، نفكر في الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات، وكلها ضرورية. لكن هناك إعمارًا آخر لا تستطيع أكبر شركة مقاولات تنفيذه: من سيعيد بناء الثقة؟ من سيرمم علاقة الإنسان بالإنسان؟ من سيعلّم الطفل أن القوة ليست في إخضاع الآخر، وأن الاختلاف لا يعني أن يختفي أحد لكي يعيش الآخر؟

هذه بنية تحتية لا يدخل في تركيبها الإسمنت؛ موادها الصدق والعدل والتعليم واحترام المرأة وحفظ الكرامة وقبول التنوع والتعايش وخدمة الإنسان.

ولهذا قد تبدأ إعادة إعمار اليمن قبل وصول أول شاحنة إسمنت؛ تبدأ في أسرة، ومدرسة، وحي، وفي الطريقة التي نتحدث بها عن بعضنا. وربما علينا، إلى جانب دفتر الخسائر، أن نفتح دفترًا آخر لليمن؛ نكتب فيه أسماء الذين ظلوا يعلّمون ويعالجون ويزرعون ويصلحون بين الناس، والمرأة التي حافظت على أسرتها، والشاب الذي صنع فرصة، والجار الذي حمل عن جاره، والإنسان الذي عاش سنوات قاسية ولم يسمح للقسوة أن تصبح جزءًا من شخصيته. فهؤلاء أيضًا يصنعون التاريخ، وإن لم تُرفع لهم تماثيل.

ولعل السؤال الذي يحتاجه اليمن اليوم ليس فقط: أي يمن سنترك لأطفالنا؟

بل السؤال الأعمق:

أي أطفال سنترك لليمن؟

إذا ربينا جيلًا يستطيع أن يختلف دون أن يكره، ويرى كرامة الآخر امتدادًا لكرامته، ويؤمن أن المرأة والرجل شريكان في بناء المجتمع، ويخدم الإنسان قبل أن يسأله من أين أتى وإلى من ينتمي، فنحن بالفعل نعيد بناء اليمن من أعمق نقطة فيه:الإنسان.

سيأتي يوم تصبح فيه سنواتنا هذه صفحات في كتاب تاريخ، وتتحول أحداث ملأت الشاشات إلى بضعة أسطر يقرؤها أطفال لم يعيشوها.

أتمنى حينها ألا يرثوا منا وطنًا يعرف بالتفصيل كيف تألم، لكنه نسي كيف يعيش.

فاليمن ليس حربه، ولا فقره، ولا أكثر سنواته وجعًا. تلك صفحات من سيرته، وليست اسمه. أما اسمه الحقيقي فهو ما بقي رغم كل شيء: أم ما زالت تربي، ومعلم ما زال يعلّم، ويد ما زالت تمتد إلى جار، وطفل ما زال يرسم بيتًا وشجرة وشمسًا في أعلى الورقة. وربما يعرف ذلك الطفل عن اليمن شيئًا نسيناه نحن الكبار: أن اليمن ليس فقط ما حدث له ، إن اليمن ما نقرّر، من اليوم، أن يحدث فيه.