- ورقة بيضاء للنقاش السياسي
تدخل قضية شعب الجنوب العربي مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، في ظل تحولات متسارعة في اليمن والجنوب العربي والإقليم، وفي بيئة دولية باتت تولي أهمية متزايدة لأمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ولأمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية الدولية.
وفي مثل هذه المرحلة، لا تتمثل الأولوية في إعادة تعريف قضية شعب الجنوب العربي أو إثبات وجودها السياسي؛ فهي قضية سياسية قائمة في الوعي الوطني لشعب الجنوب وفي الواقع السياسي والتاريخي، وإنما تتمثل في البحث في مستقبل الجنوب، والإطار الذي ينبغي أن تُقرأ من خلاله خياراته السياسية في ظل هذه التحولات.
وقد غلب على جانب من النقاش خلال السنوات الماضية التركيز على التوازنات الداخلية، ومراكز النفوذ، وتوزيع القوة والثروة والتمثيل بين المحافظات والمناطق. ولا شك أن فهم هذه التوازنات مهم لفهم الواقع الجنوبي، وأن لكل محافظة خصوصيتها وقضاياها ومصالحها التي ينبغي احترامها واستيعابها. غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القراءة إلى إطار يختزل الجنوب في مجموعة من القضايا المحلية، أو يجعل التمثيل المناطقي بديلًا عن التمثيل السياسي لقضية شعب الجنوب العربي.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ضوء التحركات السياسية الجارية تحت مظلة ما تسمى بالشرعية اليمنية، ومنها الدفع نحو تشكيل مجالس للتنسيق السياسي في المحافظات، وما شهدته حضرموت من تشكيل إطار من هذا النوع. فالمسألة هنا لا تتعلق بحق المحافظات في التعبير عن قضاياها المحلية، وإنما بما قد يترتب سياسيًا على تحويل هذه الأطر من أدوات للتعبير المحلي إلى مداخل لإعادة تقديم الجنوب بوصفه مجموعة من القضايا والمصالح المناطقية، وصرف النقاش عن قضيته السياسية الجامعة.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الورقة لا للبحث في قضية شعب الجنوب العربي من حيث وجودها أو مشروعيتها، ولا لإعادة تعريفها أو تمييعها في قضايا محلية، وإنما لطرح سؤال مختلف: كيف ينبغي أن يُقرأ مستقبل الجنوب سياسيًا في ظل موقعه الإقليمي والدولي، وفي ظل تداخل مصالح أمن الإقليم وأمن البحر الأحمر مع حق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي؟
وهنا تقترح الورقة هذة الانتقال من الحديث عن «المثلث المناطقي» إلى «المثلث السياسي».
- القيمة المضافة لهذا الطرح (المثلث السياسي)
قد يقال إن عناصر هذه الفكرة ليست جديدة في ذاتها؛ فأهمية الجنوب لأمن المنطقة معروفة، وموقعه على خطوط الملاحة الدولية معروف، كما أن قضية شعب الجنوب العربي وحقه في تقرير مستقبله السياسي حاضران في الخطاب السياسي.
لكن القيمة المضافة لا تكمن في اكتشاف هذه العناصر منفردة، وإنما في إعادة تركيبها داخل إطار سياسي واحد يجعل مستقبل الجنوب نقطة تقاطع بين ثلاثة اعتبارات مترابطة:
أمن الإقليم، وأمن البحر الأحمر، وحق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي.
وبذلك ننتقل في هذة الورقة من مجرد إظهار أهمية الموقع الجغرافي أو عرض القضية السياسية إلى محاولة بناء زاوية جديدة لقراءة المستقبل.
فبدل أن يُنظر إلى الجنوب من خلال سؤال: من يمثل هذة المنطقة اوالمحافظة ؟ ومن يملك النفوذ فيها؟، تقترح الورقة الانتقال إلى سؤال أوسع: ما المستقبل السياسي للجنوب، وكيف يمكن أن يتقاطع هذا المستقبل مع مصالح أمن الإقليم وأمن البحر الأحمر؟.
وهذه النقلة لا تلغي البعد المحلي، ولا تنتقص من خصوصيات المناطق أو المحافظات، لكنها تضعها في مكانها الطبيعي باعتبارها مكونات جغرافية داخل قضية سياسية وطنية جامعة، وليست بديلًا عن هذه القضية.
كما أن المثلث المقترح يضع حدًا فاصلًا بين قضية شعب الجنوب العربي بوصفها قضية سياسية قائمة وبين البحث في مستقبل الجنوب عموما . فالورقة لا تبحث في أصل القضية ولا تضع مشروعها السياسي موضع مراجعة، وإنما تبحث في البيئة التي سيتشكل فيها مستقبل الجنوب، وفي المصالح الإقليمية والدولية المتصلة به، وفي كيفية قراءة هذا المستقبل في ضوء تلك المعادلات.
ومن بين الأهداف التي تسعى هذه الورقة إلى اختبارها إعادة صياغة الخطاب السياسي حول مستقبل الجنوب؛ بحيث لا يبقى أسير القراءة المناطقية أو الجغرافية، ولا يُختزل في قضايا المحافظات ومصالحها المحلية، وإنما ينتقل إلى خطاب سياسي يضع قضية شعب الجنوب العربي في سياقها الوطني والإقليمي والدولي. خطاب يخاطب الداخل الجنوبي بوصفه صاحب قضية سياسية جامعة، ويخاطب الإقليم من زاوية أمنه واستقراره، ويخاطب المجتمع الدولي من زاوية أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، دون أن تتحول أي من هذه الاعتبارات إلى بديل عن حق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي.
- من المثلث المناطقي إلى المثلث السياسي
إن الجنوب، بحكم تنوعه الجغرافي والاجتماعي والسياسي، يحتاج إلى إدارة هذا التنوع ضمن إطار من الشراكةالوطنية والتوافق. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين أن تكون للمحافظات قضاياها ومصالحها المحلية، وبين أن تتحول هذه القضايا إلى أساس لإعادة تعريف التمثيل السياسي للجنوب.
فالمحافظة تستطيع أن تعبر عن احتياجاتها وخصوصيتها ومصالح سكانها، ويمكن أن تكون لها أطر سياسية واجتماعية تنظم هذا التعبير، لكن ذلك لا يعني أن تتحول هذه الأطر إلى بديل عن الحامل السياسي الجامع لقضية شعب الجنوب العربي.
إن التعدد المحلي ليس مشكلة في ذاته، بل يمكن أن يكون مصدر قوة عندما يندرج داخل إطار وطني جامع. أما عندما يُستخدم لتفكيك القضية السياسية إلى ملفات محلية، فإنه قد يؤدي إلى صرف الانتباه عن السؤال الأساسي: ما مستقبل الجنوب بوصفه وحدة سياسية؟
فالسؤال لم يعد فقط: كيف تتوزع القوة داخل الجنوب؟ وإنما: ما موقع الجنوب السياسي، وما طبيعة مستقبله، وكيف يتصل هذا المستقبل بمصالح الإقليم والعالم؟.
- «المثلث المناطقي»
يقصد بـ«المثلث المناطقي» في هذه الورقة نمط من القراءة السياسية للمشهد الجنوبي ينطلق من ثلاثة أضلاع مترابطة:
- التمثيل المحلي للمحافظات.
- توازنات القوة والنفوذ بين المكونات والمناطق.
فالضلع الأول يتعلق بالخصوصيات الجغرافية والاجتماعية والتاريخية للمناطق والمحافظات؛ والثاني يرتبط بتمثيلها السياسي ومصالحها وقضاياها المحلية؛ بينما يعكس الضلع الثالث طبيعة توزيع القوة والنفوذ والتنافس على الحضور والتمثيل داخل الجنوب.
- المثلث السياسي
- أولها أمن الإقليم.
فالجنوب يقع في نطاق جغرافي وأمني شديد الصلة بأمن الجزيرة العربية والخليج، واستقراره السياسي والأمني ينعكس بصورة مباشرة على محيطه الإقليمي. ومن ثم فإن مستقبل الجنوب لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا فحسب، لأن أي ترتيبات سياسية وأمنية فيه ستكون لها آثار تتجاوز حدوده.
- ثانيها أمن البحر الأحمر.
فالموقع الجنوبي على خليج عدن وقرب باب المندب يجعل مستقبل المنطقة متصلًا بصورة مباشرة بأمن الملاحة البحرية والتجارة الدولية والطاقة. ولهذا فإن الاستقرار في الجنوب ليس قضية محلية محدودة التأثير، بل يرتبط بممرات بحرية ذات أهمية إقليمية ودولية.
هل يمكن بناء أمن مستدام للبحر الأحمر وباب المندب بمعزل عن الاستقرار السياسي والأمني في جنوب اليمن؟.
- أما الضلع الثالث. فهو حق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي.
فهو الضلع الذي يمنع اختزال الجنوب في موقعه الجغرافي أو وظيفته الأمنية.
وهنا ينبغي التأكيد مجددًا أن الحديث عن هذا الحق لا يعني تحديد النتيجة مسبقًا، بل التمييز بين الحق في تقرير المستقبل السياسي وبين تحديد شكل هذا المستقبل قبل الحوار والتوافق.
فالورقة لا تطرح صيغة نهائية للدولة أو للعلاقة المستقبلية بين الجنوب العربي واليمن، وإنما تؤكد أن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يُقرر بمعزل عن شعب الجنوب العربي نفسه، ولا أن يجري التعامل معه من خلال ترتيبات أمنية أو إدارية أو محلية تتجاوز القضية السياسية.
- أمن الإقليم
- أمن البحر الأحمر
- حق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي.
ثلاثة أضلاع تتقاطع في نقطة واحدة هي مستقبل الجنوب.
- لماذا هذه المعادلة مهمة؟
فبدل أن يُطرح الجنوب فقط باعتباره طرفًا يطالب الآخرين بالاعتراف بقضيته، يمكن طرحه باعتباره طرفًا سياسيًا يقع في قلب معادلة أمنية واستراتيجية أوسع.
وهنا تتقاطع المصالح دون أن تلغي إحداها الأخرى.
وبالتالي، فإن المعالجة السياسية لقضية شعب الجنوب العربي يمكن النظر إليها ليس باعتبارها مسألة منفصلة عن أمن المنطقة، وإنما باعتبارها أحد المداخل الممكنة للاستقرار المستدام.
مستقبل الجنوب بين الداخل والإقليم والعالم.
يفرض هذا التصور إعادة النظر في طريقة تقديم الجنوب إلى العالم.
إن تقديم الجنوب بصورة أكثر نضجًا يقتضي الجمع بين قضيته السياسية، وتنوعه الداخلي، وموقعه الاستراتيجي، ومسؤوليته تجاه أمن المنطقة.
وهذا يتطلب خطابًا سياسيًا قادرًا على مخاطبة أكثر من دائرة في الوقت نفسه: الجنوبيين، ودول الإقليم، والمجتمع الدولي.
فالقضية السياسية لشعب الجنوب العربي تحتاج إلى حامل وطني جامع، قادر على استيعاب التنوع المحلي دون أن يسمح بتحويله إلى بديل عن القضية. وفي الوقت نفسه، يحتاج هذا الحامل إلى خطاب يتعامل مع أمن الإقليم والبحر الأحمر باعتبارهما جزءًا من البيئة التي سيتشكل فيها مستقبل الجنوب.
وعلى ذلك تبرز امامنا جملة من الأسئلة للنقاش السياسي
- هل أصبح من الضروري الانتقال من القراءة المناطقية لمستقبل الجنوب إلى قراءة سياسية أوسع؟
- هل يمثل أمن الإقليم أحد المحددات الأساسية لمستقبل الجنوب، وليس مجرد عامل خارجي؟
- إلى أي مدى يرتبط أمن البحر الأحمر وباب المندب بالاستقرار السياسي والأمني في جنوب اليمن؟
- هل يمكن بناء ترتيبات أمنية مستدامة في المنطقة دون معالجة البيئة السياسية التي تنتج عدم الاستقرار؟
- كيف يمكن الجمع بين المصالح الإقليمية والدولية وحق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي؟
- كيف ينبغي أن يكون حضور قضية شعب الجنوب العربي في أي حوار أو تسوية سياسية قادمة، بحيث لا تتحول القضايا المحلية للمحافظات إلى بديل عن القضية السياسية الجامعة؟
- وهل يمكن أن تكون الأطر المحلية للمحافظات جزءًا من التوافق الجنوبي، دون أن تتحول إلى إطار بديل عن التمثيل السياسي الوطني للجنوب؟
- وهل يحتاج الجنوب اليوم إلى تطوير خطاب سياسي جديد يخاطب الداخل والإقليم والمجتمع الدولي في آن واحد، انطلاقًا من المثلث السياسي المقترح؟
أخيرًا: هل يمكن أن يصبح مستقبل الجنوب نقطة التقاء بين أمن الإقليم، وأمن البحر الأحمر، وحق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي؟
- خاتمة
لا تدعي هذه الورقة تقديم إجابة نهائية عن مستقبل الجنوب، وإنما تقترح إطارًا جديدًا للنظر إليه.
فهي تنطلق من أن قضية شعب الجنوب العربي قضية سياسية قائمة، ولا تجعلها موضوعًا لإعادة التعريف أو التمييع، وإنما تبحث في مستقبل الجنوب في ظل واقع إقليمي ودولي لم يعد يسمح بقراءته من زاوية الداخل وحدها.
فالجنوب ليس مجرد جغرافيا تتوزع داخلها مراكز القوة، وليس مجموعًا من المحافظات والقضايا المحلية، كما أنه ليس مجرد موقع استراتيجي تتحرك حوله مصالح الآخرين.
ومن هنا تأتي فكرة «المثلث السياسي» بوصفها محاولة لفتح نقاش مختلف:
أمن الإقليم - أمن البحر الأحمر - حق شعب الجنوب العربي في تقرير مستقبله السياسي.
إن قيمة هذا المثلث لا تكمن في ترتيب هذه العناصر إلى جانب بعضها، وإنما في البحث عن نقطة التقاطع بينها؛ أي مستقبل سياسي للجنوب يراعي إرادة شعبه، ويأخذ في الاعتبار مصالح أمن الإقليم، ويسهم في استقرار واحدة من أهم المناطق البحرية في العالم.
















