> د. سعيد شرياف:
في السياسة، لا توجد مواقف أبدية، ولا خصومات يجب أن تستمر لمجرد أنها بدأت في مرحلة سابقة. فالدول التي تعرف كيف تحمي مصالحها هي الدول التي تستطيع، في اللحظة المناسبة، أن تعيد قراءة المشهد، وأن تميز بين ما كان مطلوبًا بالأمس وما أصبح ضروريًا اليوم.
واليمن يقف أمام مثل هذه اللحظة.
فالمشهد الذي كان قائمًا قبل سنوات لم يعد هو المشهد نفسه. الحوثيون راكموا قدرات عسكرية وسياسية كبيرة، والشرعية اليمنية استنزفتها الخلافات والانقسامات، والجغرافيا العسكرية تغيرت، فيما أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
وفي الجنوب تحديدًا، برزت خلال السنوات الماضية قوى سياسية وعسكرية وأمنية أصبحت جزءًا من الواقع الذي لا يمكن تجاهله، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي.
وقد يكون من الضروري اليوم إعادة قراءة العلاقة مع المجلس الانتقالي من منظور مختلف: ليس باعتباره مجرد ملف للخلاف السياسي، وإنما باعتباره جزءًا من معادلة أمنية وسياسية أوسع تمس مصالح المملكة والجنوب واليمن والمنطقة بأكملها.
ولا ينبغي أن يكون السؤال: هل نقبل مشروعه السياسي بالكامل؟
هذه أسئلة مشروعة، لكنها ليست الأكثر إلحاحًا في هذه اللحظة.
السؤال الأهم هو:
هل يمكن بناء استقرار حقيقي في الجنوب، ومواجهة التهديد الحوثي، وحماية المصالح السعودية والإقليمية، من دون تفاهم مع المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية التي يمثل جزءًا مهمًا منها؟
هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا.
فالسياسة الواقعية لا تتعامل مع الأمنيات، وإنما مع موازين القوى والحقائق الموجودة على الأرض.
والمجلس الانتقالي أصبح، خلال سنوات، طرفًا سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا رئيسيًا في الجنوب، وله حضور وتأثير في مناطق جنوبية مهمة، كما يحمل مشروعًا سياسيًا واضحًا يتعلق بمستقبل الجنوب.
يمكن الاختلاف مع هذا المشروع، ويمكن نقد أداء المجلس، ويمكن المطالبة بتطوير بنيته السياسية والعسكرية، لكن لا يمكن إلغاء حقيقة وجوده وتأثيره بقرار سياسي.
والاعتراف بقوة القوات الجنوبية وتأثيرها الأمني والعسكري لا يعني تركها خارج مؤسسات الدولة.
والحوار مع قيادة المجلس لا يعني منحها تفويضًا مفتوحًا.
بل يعني ببساطة أن التعامل مع الواقع أفضل من محاولة تجاوزه.
في السياسة الدولية، تتفاوض الدول مع الأطراف التي تختلف معها، وتبني معها تفاهمات عندما تلتقي المصالح، حتى لو بقيت الخلافات الأساسية قائمة.
وهذا تحديدًا ما يحتاجه الملف الجنوبي اليوم.
المطلوب ليس الاتفاق على كل شيء، وإنما الاتفاق على ما يمنع الأسوأ ويفتح الطريق نحو الأفضل.
فالجنوب يقع على مساحة استراتيجية تمتد على بحر العرب وخليج عدن، ويشرف على طرق بحرية شديدة الأهمية، ويتصل بصورة مباشرة بأمن المملكة ودول الخليج.
وأي اضطراب طويل الأمد في الجنوب ستكون له انعكاسات تتجاوز المدن الجنوبية.
فالفوضى الأمنية تفتح الباب أمام الجماعات المتطرفة، والفراغ السياسي يخلق بيئة خصبة للصراعات، والضعف العسكري قد يشجع الحوثيين على محاولة التوسع متى وجدوا الفرصة، فيما يستهلك الانقسام الداخلي القوى التي يفترض أن تكون موجهة نحو الخطر الأكبر.
ولهذا فإن استقرار الجنوب ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الأمن الإقليمي وأمن المملكة، وليس مجرد شأن يمني داخلي.
وجود هذه القوى أتاح، على الأقل، تمثيلًا سياسيًا وعسكريًا لمطالب جنوبية واسعة، وأبقى القضية الجنوبية حاضرة في المعادلة.
أما عندما يجري إضعاف مكون جنوبي رئيسي أو إبعاده من دون بناء صيغة بديلة تتمتع بالقوة والقبول نفسيهما، فإن النتيجة لا تكون بالضرورة دولة أقوى.
قد تكون النتيجة فراغًا.
والفراغ في البيئات الهشة لا يبقى فراغًا طويلًا؛ إذ تملؤه القوى المتنافسة، وشبكات المصالح، والجماعات المسلحة، والتنظيمات المتطرفة، وقد يستغله في النهاية الخصم الأكثر استعدادًا لاستثمار الانقسامات.
ومن هنا، فإن إضعاف قوة جنوبية كبيرة لا يصبح مكسبًا تلقائيًا للدولة المركزية؛ فقد يتحول إلى مكسب للفراغ، والفراغ أحد أخطر أعداء الدولة.
قد ينظر البعض إلى المصالحة مع المجلس الانتقالي باعتبارها تراجعًا أو تنازلًا، لكن المصالحة في السياسة ليست بالضرورة تنازلًا.
أحيانًا تكون المصالحة وسيلة لاستعادة النفوذ، وضبط التوازن، وتحويل الطرف المختلف معه إلى شريك يمكن مساءلته والاتفاق معه ضمن قواعد واضحة.
إن المجلس الانتقالي، عندما يكون داخل العملية السياسية، يمكن أن يكون طرفًا يمكن التفاهم معه وتحميله مسؤوليات والتزامات محددة.
أما عندما يصبح خارج التفاهمات، فإن مساحة الحوار تضيق، وتصبح إدارة الواقع أكثر صعوبة.
ومن هنا يمكن النظر إلى المصالحة باعتبارها أداة لإعادة تنظيم المشهد، وليس مكافأة لطرف سياسي.
لكن استحضار هذه الأحداث لا ينبغي أن يكون بهدف إعادة فتح جراح الماضي أو تحويلها إلى سبب لاستمرار القطيعة، وإنما ينبغي أن يكون مدخلًا لمعالجة آثارها سياسيًا وإنسانيًا، وبما يحفظ كرامة من سقطوا ويمنع تكرار مثل هذه الأحداث.
وهنا تبرز أهمية التفاهم المباشر بين قيادة المجلس الانتقالي وقيادة المملكة، باعتباره الطريق الأكثر واقعية لتجاوز ما حدث، ومعالجة آثاره، وطي هذه الصفحة بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من العلاقة تقوم على الثقة والمصالح المشتركة.
فالمصالحة الحقيقية لا تعني إنكار ما حدث، وإنما تعني امتلاك الشجاعة السياسية لتجاوزه، وتحويل الألم الذي خلفته تلك الأحداث إلى دافع لبناء تفاهم أقوى يمنع تكرارها.
وإذا كانت المملكة والمجلس الانتقالي يتفقان على أن استقرار الجنوب ومواجهة التهديد الحوثي يمثلان مصلحة مشتركة، فإن تجاوز أحداث يناير ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من أي تفاهم جديد، لا عقبة دائمة أمامه.
ماذا يمكن أن تقدم المملكة؟
المملكة تملك فرصة مهمة لإعادة هندسة العلاقة مع القوى الجنوبية.
ليس المطلوب العودة إلى ترتيبات الماضي، وإنما فتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة.
ويمكن أن تبدأ هذه الصفحة بحوار سياسي مباشر وصريح مع قيادة المجلس الانتقالي، يتجاوز ملفات الخلاف السابقة، ويضع على الطاولة القضايا التي لا يمكن تجاهلها:
مستقبل الجنوب.
أمن الحدود السعودية.
مواجهة الحوثيين.
مكافحة الإرهاب.
ترتيبات القوات الجنوبية.
إدارة المحافظات الجنوبية.
المشاركة في أي تسوية يمنية.
والعلاقة المستقبلية بين الجنوب وبقية اليمن.
هذا الحوار لن يحل كل شيء دفعة واحدة، لكنه قد يعيد بناء الثقة، وهذه هي الخطوة الأولى لأي تسوية قابلة للحياة.
القوات الجنوبية: المشكلة ليست في وجودها بل في كيفية تنظيمها
هناك واقع آخر لا يمكن تجاهله.
فالقوات الجنوبية أصبحت جزءًا من المعادلة الأمنية والعسكرية، والسؤال الواقعي ليس كيف نلغي وجودها، وإنما كيف نحول هذا الوجود إلى قوة مؤسسية منضبطة تخدم الاستقرار.
يمكن إعادة هيكلة هذه القوات ودمجها ضمن مؤسسات الدولة وفق ترتيبات واضحة، مع الحفاظ على خبرتها الميدانية، وتوحيد القيادة والتسلسل العسكري، وإخضاعها للقانون، ومنع استخدامها في الصراعات السياسية الداخلية.
وهذا يمكن أن يحقق مكسبًا مزدوجًا: فالجنوب يحصل على منظومة أمنية أكثر استقرارًا، والمملكة تتعامل مع شريك أمني واضح يمكن تحميله مسؤوليات محددة في حماية الأمن والمصالح المشتركة.
أما محاولة تفكيك القوة الموجودة على الأرض من دون بديل مؤسسي قادر على ملء الفراغ، فهي مخاطرة لا تحتاجها المنطقة في هذا الظرف.
القضية الجنوبية ليست اختراعًا سياسيًا
قد يختلف اليمنيون حول طبيعة القضية الجنوبية وحول الحل المناسب لها، لكن استمرار الاختلاف حول الحل لا يعني إنكار وجود المشكلة.
فالقضية الجنوبية تراكمت عبر عقود، وتحولت إلى جزء راسخ من الوعي السياسي والاجتماعي لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب.
والمجلس الانتقالي لم يصنع هذه القضية من فراغ، لكنه أصبح أحد أهم الأطر السياسية التي تعبر عنها.
ولهذا فإن إقصاء المجلس لن يؤدي إلى اختفاء القضية الجنوبية، بل قد يؤدي إلى انتقالها من طاولة الحوار إلى الشارع، ومن السياسة إلى الاحتقان، ومن الاحتقان إلى المواجهة.
وهذا هو السيناريو الذي يجب على الجميع تجنبه.
حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم
ومن المهم، في أي مقاربة جادة للقضية الجنوبية، الاعتراف بأن للجنوبيين حقًا مشروعًا في التعبير عن إرادتهم السياسية وتحديد مستقبلهم، وأن أي تسوية لا تحترم إرادة أبناء الجنوب ومطالبهم لن تكون تسوية مستقرة وقابلة للحياة.
ولا يعني الإقرار بهذا الحق فرض نتيجة مسبقة، أو أن الانفصال هو الخيار الوحيد، وإنما يعني أن مستقبل الجنوب يجب أن يحدده الجنوبيون عبر عملية سياسية سلمية وحرة وتوافقية، وبمشاركة مختلف مكوناتهم، ومن خلال آليات واضحة تضمن التعبير عن الإرادة الشعبية.
فالوحدة لا يمكن أن تكون مستدامة إذا قامت على الإكراه، كما أن الانفصال لا ينبغي أن يكون نتيجة فرض القوة.
والخيار الأكثر عقلانية هو أن تُطرح كل الخيارات السياسية على طاولة الحوار، وأن يكون معيار قبولها هو إرادة الناس، والاتفاق السياسي، والقدرة على بناء دولة مستقرة تحمي الحقوق والمصالح وتمنع العودة إلى الصراع.
إن احترام حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم لا يتعارض مع المصالح السعودية أو مع أمن المنطقة؛ بل قد يكون جزءًا من الحل إذا جرى التعامل معه ضمن إطار سياسي مسؤول وسلمي يضمن مصالح جميع الأطراف.
الحل ليس في فرض الانفصال ولا في فرض الوحدة
المملكة ليست مطالبة بتبني مشروع الانفصال، كما أن الجنوب لا ينبغي أن يُطلب منه قبول صيغة سياسية نهائية دون ضمانات ومشاركة حقيقية.
الحل الأكثر عقلانية هو فتح المجال أمام عملية سياسية تضع مستقبل الجنوب على الطاولة بوضوح.
يمكن أن تكون هناك خيارات متعددة: دولة اتحادية، لامركزية واسعة، ترتيبات خاصة للجنوب، أو غيرها من الصيغ التي يتفق عليها اليمنيون.
المهم أن تكون العملية سياسية وسلمية وتوافقية.
لا الوحدة تُفرض بالقوة، ولا الانفصال يُفرض بالقوة.
وإذا كان لا بد من اختيار مستقبل جديد لليمن، فيجب أن يكون هذا المستقبل نتاج اتفاق وإرادة شعبية، لا نتيجة انتصار عسكري لطرف على طرف.
لماذا تحتاج المملكة إلى مصالحة جنوبية؟
لأن المملكة لا تبحث عن حليف مؤقت في حرب عابرة، وإنما عن أمن مستدام على حدودها الجنوبية.
وتحتاج إلى بيئة مستقرة تمنع تهريب السلاح والمخدرات، وتواجه الإرهاب، وتحمي الممرات البحرية، وتمنع تحول اليمن إلى منصة تهديد دائمة.
ومن هذه الزاوية، فإن بناء علاقة مستقرة مع المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خدمة للمجلس.
إنه استثمار مباشر في المصالح السعودية.
فكلما كان الجنوب أكثر استقرارًا، كانت الحدود السعودية أكثر أمانًا.
وكلما كان هناك شريك سياسي جنوبي واضح، أصبحت إدارة الملف اليمني أكثر قابلية للتوقع.
وكلما كانت القوى الجنوبية داخل ترتيبات سياسية وأمنية واضحة، قل خطر تحولها إلى قوى متنافسة خارج إطار الدولة.
المصالحة المطلوبة ليست ثنائية فقط
لكن المصالحة الحقيقية يجب ألا تتوقف عند العلاقة بين الرياض والمجلس الانتقالي.
فالجنوب نفسه يحتاج إلى مصالحة داخلية.
المجلس الانتقالي، رغم ثقله السياسي والشعبي والعسكري، لا يمكن اختزاله في الجنوب كله، وفي المقابل لا يمكن لأي طرف آخر أن يدعي احتكار تمثيل الجنوب.
المطلوب إذن صيغة تستوعب الجميع، وتعطي المجلس الوزن الذي يعكس حضوره الحقيقي، وتمنح بقية القوى الجنوبية مساحة للمشاركة.
لا إقصاء للمجلس، ولا احتكار للمجلس.
هذه هي المعادلة الأكثر توازنًا.
ومن مصلحة المجلس أن يقبل بالشراكة
إذا كانت المملكة مطالبة بتجاوز الخلاف مع المجلس الانتقالي، فإن المجلس بدوره مطالب بأن يتعامل مع المرحلة الجديدة بعقل سياسي مختلف.
فالاعتراف به طرفًا رئيسيًا يرافقه التزام، والقوة العسكرية تفرض مسؤولية، والقاعدة الشعبية تفرض احترام التنوع، والمشروع السياسي يحتاج إلى أن يتحول إلى مشروع قابل للحوار والتفاوض.
وهذا يعني أن على المجلس أن يطمئن شركاءه في الداخل والخارج إلى أن هدفه ليس السيطرة على الجنوب أو إقصاء الآخرين، وإنما الوصول إلى تسوية سياسية عادلة تحمي مصالح الجنوبيين وتحفظ حقوق بقية المكونات.
وبهذه الروح تصبح المصالحة ممكنة.
المعركة الحقيقية ليست بين القوى الجنوبية
ربما تكون أكبر خدمة يمكن أن يقدمها الجميع للحوثيين هي أن يتحول الخلاف الجنوبي إلى معركة مفتوحة.
فكل مواجهة داخل الجنوب تستنزف القوى التي يفترض أن تواجه الخطر الأكبر.
وكل أزمة سياسية جنوبية تمنح الحوثيين فرصة إضافية.
وكل قطيعة بين القوى المناهضة لهم توسع هامش حركتهم.
لهذا فإن الأولوية يجب أن تكون واضحة:
منع تحويل الجنوب إلى ساحة صراع داخلي جديدة.
ثم تأتي بقية الملفات السياسية ضمن مسار تفاوضي مسؤول.
المملكة أمام فرصة تاريخية
قد لا تتكرر الظروف الحالية بسهولة.
فالمملكة تمتلك علاقات واسعة مع مختلف الأطراف اليمنية، ولها وزن سياسي وإقليمي لا يمكن تجاهله، ولديها مصلحة مباشرة في استقرار اليمن.
ويمكن لهذا الوزن أن يستخدم في إطلاق مسار جديد يقوم على المصالحة وإعادة بناء الثقة.
مسار لا يهدف إلى إعادة طرف إلى ما كان عليه قبل سنوات، وإنما إلى تأسيس معادلة جديدة:
شرعية أكثر فاعلية.
جنوب أكثر استقرارًا.
قوى جنوبية مشاركة سياسيًا.
قوات أمنية وعسكرية منظمة.
قضية جنوبية حاضرة على طاولة التفاوض.
وإرادة جنوبية محترمة في تحديد المستقبل.
وجبهة أكثر تماسكًا في مواجهة الحوثيين.
الخلاصة: لا يمكن بناء المستقبل بعقلية الماضي
اليمن تغير.
والجنوب تغير.
وموازين القوة تغيرت.
والتهديدات الإقليمية تغيرت.
ومن الخطأ أن تستمر السياسات بالمنطق نفسه الذي كان مناسبًا لمرحلة سابقة.
إن تجاوز الخلاف مع المجلس الانتقالي والمصالحة معه لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره انتصارًا للمجلس أو تراجعًا للمملكة، بل يمكن أن يكون انتصارًا للعقل السياسي.
فالمجلس الانتقالي طرف سياسي وعسكري وأمني مؤثر، وله حضور شعبي، ويحمل مشروعًا سياسيًا للجنوب.
هذه حقيقة سياسية ينبغي التعامل معها.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني التسليم بكل خيارات المجلس، وإنما يعني وضعها في إطار سياسي يمكن التفاوض حوله ومراجعته وضبطه.
وفي المقابل، فإن الاعتراف بالمجلس لا يعني اختزال الجنوب فيه، كما أن الاعتراف بالقضية الجنوبية لا يعني فرض نتيجة سياسية مسبقة.
إن أفضل ما يمكن أن تفعله المملكة اليوم هو أن تنتقل من سياسة إدارة الخلاف إلى سياسة إعادة بناء الشراكة؛ شراكة مع الجنوب، ومع القوى الجنوبية، ومع المجلس الانتقالي، ومع بقية المكونات اليمنية، على قاعدة المصالح المشتركة واحترام الإرادة السياسية لأبناء الجنوب.
فالمملكة تحتاج إلى جنوب آمن.
والجنوب يحتاج إلى المملكة شريكًا يحترم مصالحه وإرادته.
واليمن يحتاج إلى توازن جديد.
والمنطقة تحتاج إلى منع الحوثيين من تحويل الانقسامات اليمنية إلى نفوذ إقليمي دائم.
ولهذا فإن المصالحة ليست رفاهية سياسية.
إنها ضرورة استراتيجية.
وقد تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي:
لا أحد يملك رفاهية إقصاء الآخر في هذه المرحلة.
فإما أن يعيد اليمنيون وشركاؤهم الإقليميون بناء التوازن عبر الحوار والشراكة واحترام إرادة أبناء الجنوب، وإما أن تواصل الفوضى والحوثيون ملء الفراغ.
وفي هذه المعادلة، فإن إعادة فتح صفحة جديدة مع المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية ليست خطوة إلى الوراء.
بل قد تكون الخطوة التي تمنع اليمن من السقوط خطوة أخرى إلى الخلف.
واليمن يقف أمام مثل هذه اللحظة.
فالمشهد الذي كان قائمًا قبل سنوات لم يعد هو المشهد نفسه. الحوثيون راكموا قدرات عسكرية وسياسية كبيرة، والشرعية اليمنية استنزفتها الخلافات والانقسامات، والجغرافيا العسكرية تغيرت، فيما أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
وفي الجنوب تحديدًا، برزت خلال السنوات الماضية قوى سياسية وعسكرية وأمنية أصبحت جزءًا من الواقع الذي لا يمكن تجاهله، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي.
وقد يكون من الضروري اليوم إعادة قراءة العلاقة مع المجلس الانتقالي من منظور مختلف: ليس باعتباره مجرد ملف للخلاف السياسي، وإنما باعتباره جزءًا من معادلة أمنية وسياسية أوسع تمس مصالح المملكة والجنوب واليمن والمنطقة بأكملها.
- السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم
ولا ينبغي أن يكون السؤال: هل نقبل مشروعه السياسي بالكامل؟
هذه أسئلة مشروعة، لكنها ليست الأكثر إلحاحًا في هذه اللحظة.
السؤال الأهم هو:
هل يمكن بناء استقرار حقيقي في الجنوب، ومواجهة التهديد الحوثي، وحماية المصالح السعودية والإقليمية، من دون تفاهم مع المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية التي يمثل جزءًا مهمًا منها؟
هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا.
فالسياسة الواقعية لا تتعامل مع الأمنيات، وإنما مع موازين القوى والحقائق الموجودة على الأرض.
والمجلس الانتقالي أصبح، خلال سنوات، طرفًا سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا رئيسيًا في الجنوب، وله حضور وتأثير في مناطق جنوبية مهمة، كما يحمل مشروعًا سياسيًا واضحًا يتعلق بمستقبل الجنوب.
يمكن الاختلاف مع هذا المشروع، ويمكن نقد أداء المجلس، ويمكن المطالبة بتطوير بنيته السياسية والعسكرية، لكن لا يمكن إلغاء حقيقة وجوده وتأثيره بقرار سياسي.
- الاعتراف بالواقع ليس انحيازًا
والاعتراف بقوة القوات الجنوبية وتأثيرها الأمني والعسكري لا يعني تركها خارج مؤسسات الدولة.
والحوار مع قيادة المجلس لا يعني منحها تفويضًا مفتوحًا.
بل يعني ببساطة أن التعامل مع الواقع أفضل من محاولة تجاوزه.
في السياسة الدولية، تتفاوض الدول مع الأطراف التي تختلف معها، وتبني معها تفاهمات عندما تلتقي المصالح، حتى لو بقيت الخلافات الأساسية قائمة.
وهذا تحديدًا ما يحتاجه الملف الجنوبي اليوم.
المطلوب ليس الاتفاق على كل شيء، وإنما الاتفاق على ما يمنع الأسوأ ويفتح الطريق نحو الأفضل.
- الجنوب ليس منطقة هامشية
فالجنوب يقع على مساحة استراتيجية تمتد على بحر العرب وخليج عدن، ويشرف على طرق بحرية شديدة الأهمية، ويتصل بصورة مباشرة بأمن المملكة ودول الخليج.
وأي اضطراب طويل الأمد في الجنوب ستكون له انعكاسات تتجاوز المدن الجنوبية.
فالفوضى الأمنية تفتح الباب أمام الجماعات المتطرفة، والفراغ السياسي يخلق بيئة خصبة للصراعات، والضعف العسكري قد يشجع الحوثيين على محاولة التوسع متى وجدوا الفرصة، فيما يستهلك الانقسام الداخلي القوى التي يفترض أن تكون موجهة نحو الخطر الأكبر.
ولهذا فإن استقرار الجنوب ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الأمن الإقليمي وأمن المملكة، وليس مجرد شأن يمني داخلي.
- ماذا يخسر الجنوب عندما يغيب التوازن؟
وجود هذه القوى أتاح، على الأقل، تمثيلًا سياسيًا وعسكريًا لمطالب جنوبية واسعة، وأبقى القضية الجنوبية حاضرة في المعادلة.
أما عندما يجري إضعاف مكون جنوبي رئيسي أو إبعاده من دون بناء صيغة بديلة تتمتع بالقوة والقبول نفسيهما، فإن النتيجة لا تكون بالضرورة دولة أقوى.
قد تكون النتيجة فراغًا.
والفراغ في البيئات الهشة لا يبقى فراغًا طويلًا؛ إذ تملؤه القوى المتنافسة، وشبكات المصالح، والجماعات المسلحة، والتنظيمات المتطرفة، وقد يستغله في النهاية الخصم الأكثر استعدادًا لاستثمار الانقسامات.
ومن هنا، فإن إضعاف قوة جنوبية كبيرة لا يصبح مكسبًا تلقائيًا للدولة المركزية؛ فقد يتحول إلى مكسب للفراغ، والفراغ أحد أخطر أعداء الدولة.
- المصالحة مع المجلس الانتقالي ليست تنازلًا
قد ينظر البعض إلى المصالحة مع المجلس الانتقالي باعتبارها تراجعًا أو تنازلًا، لكن المصالحة في السياسة ليست بالضرورة تنازلًا.
أحيانًا تكون المصالحة وسيلة لاستعادة النفوذ، وضبط التوازن، وتحويل الطرف المختلف معه إلى شريك يمكن مساءلته والاتفاق معه ضمن قواعد واضحة.
إن المجلس الانتقالي، عندما يكون داخل العملية السياسية، يمكن أن يكون طرفًا يمكن التفاهم معه وتحميله مسؤوليات والتزامات محددة.
أما عندما يصبح خارج التفاهمات، فإن مساحة الحوار تضيق، وتصبح إدارة الواقع أكثر صعوبة.
ومن هنا يمكن النظر إلى المصالحة باعتبارها أداة لإعادة تنظيم المشهد، وليس مكافأة لطرف سياسي.
- تجاوز أحداث يناير وفتح صفحة جديدة
لكن استحضار هذه الأحداث لا ينبغي أن يكون بهدف إعادة فتح جراح الماضي أو تحويلها إلى سبب لاستمرار القطيعة، وإنما ينبغي أن يكون مدخلًا لمعالجة آثارها سياسيًا وإنسانيًا، وبما يحفظ كرامة من سقطوا ويمنع تكرار مثل هذه الأحداث.
وهنا تبرز أهمية التفاهم المباشر بين قيادة المجلس الانتقالي وقيادة المملكة، باعتباره الطريق الأكثر واقعية لتجاوز ما حدث، ومعالجة آثاره، وطي هذه الصفحة بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من العلاقة تقوم على الثقة والمصالح المشتركة.
فالمصالحة الحقيقية لا تعني إنكار ما حدث، وإنما تعني امتلاك الشجاعة السياسية لتجاوزه، وتحويل الألم الذي خلفته تلك الأحداث إلى دافع لبناء تفاهم أقوى يمنع تكرارها.
وإذا كانت المملكة والمجلس الانتقالي يتفقان على أن استقرار الجنوب ومواجهة التهديد الحوثي يمثلان مصلحة مشتركة، فإن تجاوز أحداث يناير ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من أي تفاهم جديد، لا عقبة دائمة أمامه.
ماذا يمكن أن تقدم المملكة؟
المملكة تملك فرصة مهمة لإعادة هندسة العلاقة مع القوى الجنوبية.
ليس المطلوب العودة إلى ترتيبات الماضي، وإنما فتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة.
ويمكن أن تبدأ هذه الصفحة بحوار سياسي مباشر وصريح مع قيادة المجلس الانتقالي، يتجاوز ملفات الخلاف السابقة، ويضع على الطاولة القضايا التي لا يمكن تجاهلها:
مستقبل الجنوب.
أمن الحدود السعودية.
مواجهة الحوثيين.
مكافحة الإرهاب.
ترتيبات القوات الجنوبية.
إدارة المحافظات الجنوبية.
المشاركة في أي تسوية يمنية.
والعلاقة المستقبلية بين الجنوب وبقية اليمن.
هذا الحوار لن يحل كل شيء دفعة واحدة، لكنه قد يعيد بناء الثقة، وهذه هي الخطوة الأولى لأي تسوية قابلة للحياة.
القوات الجنوبية: المشكلة ليست في وجودها بل في كيفية تنظيمها
هناك واقع آخر لا يمكن تجاهله.
فالقوات الجنوبية أصبحت جزءًا من المعادلة الأمنية والعسكرية، والسؤال الواقعي ليس كيف نلغي وجودها، وإنما كيف نحول هذا الوجود إلى قوة مؤسسية منضبطة تخدم الاستقرار.
يمكن إعادة هيكلة هذه القوات ودمجها ضمن مؤسسات الدولة وفق ترتيبات واضحة، مع الحفاظ على خبرتها الميدانية، وتوحيد القيادة والتسلسل العسكري، وإخضاعها للقانون، ومنع استخدامها في الصراعات السياسية الداخلية.
وهذا يمكن أن يحقق مكسبًا مزدوجًا: فالجنوب يحصل على منظومة أمنية أكثر استقرارًا، والمملكة تتعامل مع شريك أمني واضح يمكن تحميله مسؤوليات محددة في حماية الأمن والمصالح المشتركة.
أما محاولة تفكيك القوة الموجودة على الأرض من دون بديل مؤسسي قادر على ملء الفراغ، فهي مخاطرة لا تحتاجها المنطقة في هذا الظرف.
القضية الجنوبية ليست اختراعًا سياسيًا
قد يختلف اليمنيون حول طبيعة القضية الجنوبية وحول الحل المناسب لها، لكن استمرار الاختلاف حول الحل لا يعني إنكار وجود المشكلة.
فالقضية الجنوبية تراكمت عبر عقود، وتحولت إلى جزء راسخ من الوعي السياسي والاجتماعي لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب.
والمجلس الانتقالي لم يصنع هذه القضية من فراغ، لكنه أصبح أحد أهم الأطر السياسية التي تعبر عنها.
ولهذا فإن إقصاء المجلس لن يؤدي إلى اختفاء القضية الجنوبية، بل قد يؤدي إلى انتقالها من طاولة الحوار إلى الشارع، ومن السياسة إلى الاحتقان، ومن الاحتقان إلى المواجهة.
وهذا هو السيناريو الذي يجب على الجميع تجنبه.
حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم
ومن المهم، في أي مقاربة جادة للقضية الجنوبية، الاعتراف بأن للجنوبيين حقًا مشروعًا في التعبير عن إرادتهم السياسية وتحديد مستقبلهم، وأن أي تسوية لا تحترم إرادة أبناء الجنوب ومطالبهم لن تكون تسوية مستقرة وقابلة للحياة.
ولا يعني الإقرار بهذا الحق فرض نتيجة مسبقة، أو أن الانفصال هو الخيار الوحيد، وإنما يعني أن مستقبل الجنوب يجب أن يحدده الجنوبيون عبر عملية سياسية سلمية وحرة وتوافقية، وبمشاركة مختلف مكوناتهم، ومن خلال آليات واضحة تضمن التعبير عن الإرادة الشعبية.
فالوحدة لا يمكن أن تكون مستدامة إذا قامت على الإكراه، كما أن الانفصال لا ينبغي أن يكون نتيجة فرض القوة.
والخيار الأكثر عقلانية هو أن تُطرح كل الخيارات السياسية على طاولة الحوار، وأن يكون معيار قبولها هو إرادة الناس، والاتفاق السياسي، والقدرة على بناء دولة مستقرة تحمي الحقوق والمصالح وتمنع العودة إلى الصراع.
إن احترام حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم لا يتعارض مع المصالح السعودية أو مع أمن المنطقة؛ بل قد يكون جزءًا من الحل إذا جرى التعامل معه ضمن إطار سياسي مسؤول وسلمي يضمن مصالح جميع الأطراف.
الحل ليس في فرض الانفصال ولا في فرض الوحدة
المملكة ليست مطالبة بتبني مشروع الانفصال، كما أن الجنوب لا ينبغي أن يُطلب منه قبول صيغة سياسية نهائية دون ضمانات ومشاركة حقيقية.
الحل الأكثر عقلانية هو فتح المجال أمام عملية سياسية تضع مستقبل الجنوب على الطاولة بوضوح.
يمكن أن تكون هناك خيارات متعددة: دولة اتحادية، لامركزية واسعة، ترتيبات خاصة للجنوب، أو غيرها من الصيغ التي يتفق عليها اليمنيون.
المهم أن تكون العملية سياسية وسلمية وتوافقية.
لا الوحدة تُفرض بالقوة، ولا الانفصال يُفرض بالقوة.
وإذا كان لا بد من اختيار مستقبل جديد لليمن، فيجب أن يكون هذا المستقبل نتاج اتفاق وإرادة شعبية، لا نتيجة انتصار عسكري لطرف على طرف.
لماذا تحتاج المملكة إلى مصالحة جنوبية؟
لأن المملكة لا تبحث عن حليف مؤقت في حرب عابرة، وإنما عن أمن مستدام على حدودها الجنوبية.
وتحتاج إلى بيئة مستقرة تمنع تهريب السلاح والمخدرات، وتواجه الإرهاب، وتحمي الممرات البحرية، وتمنع تحول اليمن إلى منصة تهديد دائمة.
ومن هذه الزاوية، فإن بناء علاقة مستقرة مع المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خدمة للمجلس.
إنه استثمار مباشر في المصالح السعودية.
فكلما كان الجنوب أكثر استقرارًا، كانت الحدود السعودية أكثر أمانًا.
وكلما كان هناك شريك سياسي جنوبي واضح، أصبحت إدارة الملف اليمني أكثر قابلية للتوقع.
وكلما كانت القوى الجنوبية داخل ترتيبات سياسية وأمنية واضحة، قل خطر تحولها إلى قوى متنافسة خارج إطار الدولة.
المصالحة المطلوبة ليست ثنائية فقط
لكن المصالحة الحقيقية يجب ألا تتوقف عند العلاقة بين الرياض والمجلس الانتقالي.
فالجنوب نفسه يحتاج إلى مصالحة داخلية.
المجلس الانتقالي، رغم ثقله السياسي والشعبي والعسكري، لا يمكن اختزاله في الجنوب كله، وفي المقابل لا يمكن لأي طرف آخر أن يدعي احتكار تمثيل الجنوب.
المطلوب إذن صيغة تستوعب الجميع، وتعطي المجلس الوزن الذي يعكس حضوره الحقيقي، وتمنح بقية القوى الجنوبية مساحة للمشاركة.
لا إقصاء للمجلس، ولا احتكار للمجلس.
هذه هي المعادلة الأكثر توازنًا.
ومن مصلحة المجلس أن يقبل بالشراكة
إذا كانت المملكة مطالبة بتجاوز الخلاف مع المجلس الانتقالي، فإن المجلس بدوره مطالب بأن يتعامل مع المرحلة الجديدة بعقل سياسي مختلف.
فالاعتراف به طرفًا رئيسيًا يرافقه التزام، والقوة العسكرية تفرض مسؤولية، والقاعدة الشعبية تفرض احترام التنوع، والمشروع السياسي يحتاج إلى أن يتحول إلى مشروع قابل للحوار والتفاوض.
وهذا يعني أن على المجلس أن يطمئن شركاءه في الداخل والخارج إلى أن هدفه ليس السيطرة على الجنوب أو إقصاء الآخرين، وإنما الوصول إلى تسوية سياسية عادلة تحمي مصالح الجنوبيين وتحفظ حقوق بقية المكونات.
وبهذه الروح تصبح المصالحة ممكنة.
المعركة الحقيقية ليست بين القوى الجنوبية
ربما تكون أكبر خدمة يمكن أن يقدمها الجميع للحوثيين هي أن يتحول الخلاف الجنوبي إلى معركة مفتوحة.
فكل مواجهة داخل الجنوب تستنزف القوى التي يفترض أن تواجه الخطر الأكبر.
وكل أزمة سياسية جنوبية تمنح الحوثيين فرصة إضافية.
وكل قطيعة بين القوى المناهضة لهم توسع هامش حركتهم.
لهذا فإن الأولوية يجب أن تكون واضحة:
منع تحويل الجنوب إلى ساحة صراع داخلي جديدة.
ثم تأتي بقية الملفات السياسية ضمن مسار تفاوضي مسؤول.
المملكة أمام فرصة تاريخية
قد لا تتكرر الظروف الحالية بسهولة.
فالمملكة تمتلك علاقات واسعة مع مختلف الأطراف اليمنية، ولها وزن سياسي وإقليمي لا يمكن تجاهله، ولديها مصلحة مباشرة في استقرار اليمن.
ويمكن لهذا الوزن أن يستخدم في إطلاق مسار جديد يقوم على المصالحة وإعادة بناء الثقة.
مسار لا يهدف إلى إعادة طرف إلى ما كان عليه قبل سنوات، وإنما إلى تأسيس معادلة جديدة:
شرعية أكثر فاعلية.
جنوب أكثر استقرارًا.
قوى جنوبية مشاركة سياسيًا.
قوات أمنية وعسكرية منظمة.
قضية جنوبية حاضرة على طاولة التفاوض.
وإرادة جنوبية محترمة في تحديد المستقبل.
وجبهة أكثر تماسكًا في مواجهة الحوثيين.
الخلاصة: لا يمكن بناء المستقبل بعقلية الماضي
اليمن تغير.
والجنوب تغير.
وموازين القوة تغيرت.
والتهديدات الإقليمية تغيرت.
ومن الخطأ أن تستمر السياسات بالمنطق نفسه الذي كان مناسبًا لمرحلة سابقة.
إن تجاوز الخلاف مع المجلس الانتقالي والمصالحة معه لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره انتصارًا للمجلس أو تراجعًا للمملكة، بل يمكن أن يكون انتصارًا للعقل السياسي.
فالمجلس الانتقالي طرف سياسي وعسكري وأمني مؤثر، وله حضور شعبي، ويحمل مشروعًا سياسيًا للجنوب.
هذه حقيقة سياسية ينبغي التعامل معها.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني التسليم بكل خيارات المجلس، وإنما يعني وضعها في إطار سياسي يمكن التفاوض حوله ومراجعته وضبطه.
وفي المقابل، فإن الاعتراف بالمجلس لا يعني اختزال الجنوب فيه، كما أن الاعتراف بالقضية الجنوبية لا يعني فرض نتيجة سياسية مسبقة.
إن أفضل ما يمكن أن تفعله المملكة اليوم هو أن تنتقل من سياسة إدارة الخلاف إلى سياسة إعادة بناء الشراكة؛ شراكة مع الجنوب، ومع القوى الجنوبية، ومع المجلس الانتقالي، ومع بقية المكونات اليمنية، على قاعدة المصالح المشتركة واحترام الإرادة السياسية لأبناء الجنوب.
فالمملكة تحتاج إلى جنوب آمن.
والجنوب يحتاج إلى المملكة شريكًا يحترم مصالحه وإرادته.
واليمن يحتاج إلى توازن جديد.
والمنطقة تحتاج إلى منع الحوثيين من تحويل الانقسامات اليمنية إلى نفوذ إقليمي دائم.
ولهذا فإن المصالحة ليست رفاهية سياسية.
إنها ضرورة استراتيجية.
وقد تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي:
لا أحد يملك رفاهية إقصاء الآخر في هذه المرحلة.
فإما أن يعيد اليمنيون وشركاؤهم الإقليميون بناء التوازن عبر الحوار والشراكة واحترام إرادة أبناء الجنوب، وإما أن تواصل الفوضى والحوثيون ملء الفراغ.
وفي هذه المعادلة، فإن إعادة فتح صفحة جديدة مع المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية ليست خطوة إلى الوراء.
بل قد تكون الخطوة التي تمنع اليمن من السقوط خطوة أخرى إلى الخلف.


















