> سامي الكاف:

​في المشهد اليمني المتسارع خلال الأيام الأخيرة، أعتقد أن ثمة ما يستحق التوقف عنده بهدوء وفحص، ليس لأن التطورات العسكرية وحدها تكفي لصناعة تحول سياسي، وإنما لأن "مجموعة من الدول المتزامنة" بدأت ترسم ملامح مرحلة مختلفة في طريقة التعامل مع الأزمة، فتصعيد الميليشيات الحوثية المستمر بنسق لافت، لم يعد يُقرأ في نطاق الجغرافيا اليمنية وحدها، بعد أن امتد أثره إلى أمن السعودية والممرات البحرية والمصالح الإقليمية، فيما ظهرت في مقابل ذلك مواقف سياسية وعسكرية ومؤسسية، متقاربة في توقيتها ودلالاتها.

من هنا تكتسب دعوة رئيس "مجلس القيادة الرئاسي" رشاد العليمي إلى التعبئة العامة، وقرار مجلس النواب اليمني الموافقة عليها، والاجتماع الدفاعي السعودي ـ التركي ـ الباكستاني، ثم الموقف السعودي الرسمي على مستوى القيادة، أهميتها بوصفها "وقائع متصلة بسياق واحد"، وإن كانت نتائجها النهائية لا تزال رهناً بما ستكشفه الوقائع المقبلة.

الدالة الأولى جاءت من الرياض، حيث اجتمع رؤساء أجهزة الدفاع في السعودية وباكستان وتركيا في إطار "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، بعد تصاعد هجمات الميليشيات الحوثية على السعودية، ولم يكن الاجتماع، في دلالته المعلنة، إعلاناً عن عملية عسكرية محددة داخل اليمن، بل خطوة باتجاه تفعيل آليات التعاون الدفاعي والردع الجماعي، وتعزيز التعاون الاستخباراتي والتنسيق العسكري وتكامل القدرات.

لكن أهميته في اعتقادي تتجاوز تفاصيل الاجتماع نفسه، إذ تشير إلى أن أمن اليمن لم يعد قابلاً للفصل بسهولة عن منظومة الأمن الإقليمي، وأن استمرار استخدام القوة العابرة للحدود، يوسع تلقائياً دائرة الأطراف المعنية بالتصعيد، وقد أكدت الدول الثلاث التزامها بالدفاع الجماعي، وحماية أمن السعودية وسيادتها وسلامة أراضيها، بما يعكس اتساع الإطار الذي باتت تُقرأ داخله تداعيات الصراع اليمني.

من هذه الزاوية المشار إليها، يمكن فهم الدالة الثانية التي جاءت من الداخل اليمني، فقد دعا رئيس "مجلس القيادة الرئاسي" رشاد العليمي في الـ 25 من سبتمبر الماضي إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، والالتحاق بها عبر القنوات الرسمية، مع فتح باب العودة الآمنة أمام من يقاتلون مع الحوثيين، والمعنى السياسي الأهم هنا، هو أن التعبئة لم تُطرح باعتبارها مجرد حشد عسكري، وإنما بوصفها استدعاء لمفهوم الدولة ومؤسساتها، في مواجهة واقع فرضته أعوام الحرب والانقسام، منذ انقلاب الميليشيات الحوثية على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وكذلك فإن فتح باب العودة يحمل بعداً إنسانياً، لا يقل أهمية عن البعد العسكري، لأنه يفترض أن مسار استعادة مؤسسات الدولة، وفق الخطاب الرسمي، لا يتعلق فقط بتغيير موازين القوة على الأرض، وإنما يتيح أيضاً طريقاً للعودة لمن يتركون القتال.

لكن الدعوة إلى التعبئة العامة تكتسب معناها السياسي الحقيقي من الدالة الثالثة، المتعلقة بمجلس النواب اليمني، فقد وافق المجلس خلال اجتماعه الموسع المنعقد عبر الاتصال المرئي، على طلب رئيس "مجلس القيادة الرئاسي" إعلان التعبئة العامة، لمواجهة تصعيد الميليشيات الحوثية وحماية المواطنين والدفاع عن النظام الجمهوري والشرعية الدستورية، وصون سيادة الدولة وسلامة أراضيها، واستند القرار، بحسب البيان الرسمي، إلى الدستور والقوانين ذات الصلة، ومنها "قانون الاحتياط العام" و"قانون إنشاء مجلس الدفاع الوطني" و"قانون الدفاع المدني"، مع استمرار التعبئة إلى حين زوال الأسباب التي دعت إليها.

والمسألة هنا تنتقل من مستوى الدعوة السياسية إلى مستوى الإجراء الذي تسعى المؤسسة التشريعية إلى إسناده بإطار دستوري وقانوني، وهو انتقال مهم، لأن التعبئة في هذه الحال لا تُقدَم باعتبارها فعلاً عسكرياً منفصلاً، وإنما بوصفها قراراً صادراً عن مؤسسة دستورية، واللافت أن مجلس النواب لم يربط قراره بالمواجهة العسكرية وحدها، بل دعا القوى السياسية والوطنية والقبائل إلى تجاوز الخلافات، وتوحيد الصف، والعمل بتنسيق كامل مع "التحالف العربي" بقيادة السعودية.

في تقديري، تكشف هذه النقطة أحد أصعب دروس الحرب اليمنية، وهو أنه لا يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تنتج دولة إذا بقيت السياسة موزعة بين مراكز نفوذ متنافسة، كما لا تستطيع السياسة أن تستعيد مؤسسات فقدت قدرتها على فرض القانون، ولذلك تبدو استعادة مؤسسات الدولة، في معناها العملي، عملية مركبة تبدأ من توحيد القرار العسكري والأمني، لكنها لا تنتهي عنده، بل تمتد إلى توحيد المرجعية السياسية، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة العامة، ومن دون هذا التلازم فقد تتحول المكاسب الميدانية إلى وقائع موقتة، لا تنتج بالضرورة استقراراً مستداماً.

أما الدالة الرابعة، فجاءت من المجال الديني السعودي، حين دعا مفتي السعودية الشيخ صالح الفوزان القوات المرابطة وقوات التحالف إلى الثبات والاستعداد، في موقف جاء ضمن سياق التصعيد والهجمات التي استهدفت السعودية، مؤكداً أن إعادة الأمن والاستقرار إلى اليمن، في ظل قيادته الشرعية، من الواجبات.

يمكن قراءة هذا الموقف في سياقه السعودي المباشر، من دون تحويله إلى بديل عن القرار السياسي أو العسكري، وأهمية هذا الموقف في تصوري تكمن في أنه يعكس اتساع دائرة النظر إلى الأزمة، من ملف يمني داخلي إلى قضية أمن واستقرار إقليميين، مع بقاء المسؤولية الأولى عن مستقبل اليمن مرتبطة باليمنيين ومؤسساتهم، وبذلك تضاف إلى الدوال السابقة إشارة أخرى، وإن كانت من طبيعة مختلفة، لكنها تشير إلى أن تداعيات الصراع لم تعد محصورة في حدود الجغرافيا التي بدأت منها الحرب.

ثم جاءت الدالة الخامسة من أعلى مستوى سياسي في السعودية، عندما أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه نيابة عن الملك سلمان أمام مجلس الشورى الأربعاء، أن الرياض تدعم الحكومة اليمنية من خلال تحالف دعم الشرعية، لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية.

وهذه الدالة، في تقديري أيضاً، تختلف عن سابقاتها في طبيعتها، فهي لا تتعلق باجتماع دفاعي أو موقف ديني أو قرار يمني داخلي، وإنما تعلن بوضوح الموقف السياسي الرسمي للسعودية تجاه مسار الدولة اليمنية، وقد ثمّن رئيس "مجلس القيادة الرئاسي" رشاد العليمي هذا الموقف، وعدّه تأكيداً للدعم السعودي لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية واستعادة الاستقرار، وهنا يصبح الموقف السعودي السياسي جزءاً واضحاً من الصورة التي تتشكل حول مستقبل الصراع.

وعندما توضع هذه الدوال الخمس جنباً إلى جنب، فإنها لا تثبت وحدها أن تحولاً نهائياً قد وقع، لكنها تكشف تغيراً في البيئة التي تتحرك داخلها الحرب، فهناك مسار دفاعي إقليمي يتشكل في مواجهة الهجمات العابرة للحدود، ومسار مؤسسي يمني يستند إلى قرار مجلس النواب، ومسار سياسي يعبّئ الموارد والقوى، وموقف ديني سعودي يتصل بأمن السعودية واستقرار اليمن، ثم موقف سياسي سعودي معلن يربط دعم الرياض للحكومة اليمنية ببسط سلطتها على كامل البلاد، واستعادة الاستقرار.

وهذا التزامن في غاية الأهمية، كما أرى، لأن الحروب الطويلة لا تتغير فقط عندما تتبدل خطوط الجبهات، بل عندما تتغير أيضاً طريقة تعريف الصراع وأدوات إدارته، وحين يصبح هدف استعادة مؤسسات الدولة واضحاً تماماً في الخطاب الرسمي اليمني والسعودي، فإن الاختبار الحقيقي ينتقل من إعلان الهدف إلى القدرة على تحويله إلى مؤسسات ووقائع قابلة للاستمرار.

فضلاً عن ذلك، يبرز هنا البعد الاقتصادي والاجتماعي الذي لا ينبغي أن يضيع وسط لغة الجبهات، فكل يوم إضافي من الحرب يعني كلفة جديدة على أسرة تنتظر راتباً، أو طفل ينتظر مدرسة، أو مريض يحتاج إلى مستشفى، أو مدينة تحتاج إلى كهرباء ومياه وطرق، ولذلك فإن استعادة مؤسسات الدولة لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد المواقع العسكرية التي يمكن السيطرة عليها، بل بقدرة الدولة بعد ذلك على دفع الرواتب، وإعادة الخدمات، وحماية الملكية، وتنظيم الاقتصاد، وفتح المجال أمام الاستثمار والعمل، ولاحظوا معي أن الدولة التي تستعيد الأرض ولا تستعيد وظيفتها الاجتماعية، تظل معرّضة لإعادة إنتاج أسباب الانهيار.

أما الدولة التي تستعيد القانون والخدمة العامة والثقة، فتبدأ بتحويل الانتصار العسكري من واقعة ميدانية إلى استقرار قابل للحياة، وهنا تحديداً يصبح الإنسان معياراً أكثر دقة، لقياس معنى أي تحول سياسي أو عسكري، وعليه يصبح القرار العسكري أكثر ارتباطاً بالمسألة السياسية مما يبدو في لحظة التصعيد، فالقوة يمكن أن تفتح طريقاً، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد شكل الدولة التي ستأتي بعد الحرب، وإذا كانت المؤسسات اليمنية تعلن أن غايتها إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، فإن ذلك يضع أمامها مسؤولية موازية: أن تجعل الدولة التي يُراد استعادتها قادرة على احتواء التنوع، وحماية الحقوق، وإدارة الخلافات، ومنع عودة السلاح ليكون بديلاً عن السياسة.

فالمعركة بهذا المعنى لا ينبغي أن تُختزل في إسكات المدافع، وإنما في الوصول إلى لحظة يصبح فيها الاحتكام إلى المؤسسات أقوى من الاحتكام إلى القوة، ويصبح اختلاف اليمنيين سبباً للتنافس السياسي، لا ذريعة للصراع المسلح، وربما تكمن القيمة الأعمق للحظة الراهنة في أن مفهوم الدولة يعود لمركز النقاش بعد أعوام طغت فيها مفاهيم الحرب والنفوذ، والمناطق وموازين القوى.

لهذا يمكنني المجادلة بأن الأيام المقبلة ستكون أكثر أهمية من البيانات نفسها، فالبيانات ترسم الاتجاه، لكن الوقائع هي التي تختبره، وسيظل نجاح أي مسار لاستعادة مؤسسات الدولة، مرتبطاً بقدرة القوى اليمنية كافة على الحفاظ على وحدة القرار، وتحويل الدعم الإقليمي إلى إسناد منظم، لا إلى بديل عن المسؤولية الوطنية، والجمع بين الحسم الأمني والانضباط القانوني، وبين العمل العسكري والاستجابة الإنسانية، وبين استعادة الأرض واستعادة المؤسسات.

في نهاية المطاف، ليست الدولة فكرة مجردة ولا جغرافيا فقط، بل حياة يومية آمنة، يستطيع فيها اليمني أن يختلف من دون خوف، ويعمل من دون ابتزاز، ويتلقى خدمة من دون وساطة، وينال حقه في التدرج الوظيفي من دون إقصاء أو تهميش، ويحتكم إلى قانون لا إلى بندقية، وإن كان ثمة معنى إنساني حقيقي لاستعادة الدولة، فهو أن يعود اليمني لامتلاك مستقبله، داخل دولة يتساوى فيها الجميع أمام مؤسساتها، بغض النظر عن ماهية هذه الدولة، ما دام الجميع سيعيشون فيها بكرامة.
عن "اندبندنت عربية"