ليست كل الأماكن مجرد جغرافيا.
ولهذا فإن الحديث عن حضرموت هو في جوهره حديث عن سؤال أكبر: كيف يصنع المكان ذاكرته وكيف تتحول هذه الذاكرة إلى جزء من معنى الوطن؟.
يمكن للإنسان أن يكون حضرميًا وجنوبيًا في الوقت نفسه كما يمكن للمكان أن يحتفظ بخصوصيته دون أن يفقد علاقته بالفضاء الأوسع الذي ينتمي إليه.
لقد علمنا التاريخ أن فرض هوية واحدة على مجتمع متعدد لا يصنع وطنًا مستقرًا. والوطن الحقيقي هو الذي يستطيع أن يقول لكل منطقة فيه: أنت جزء مني وخصوصيتك ليست خطرا عليّ.
وحضرموت ليست مجرد أرض للثروة، ولا مجرد مساحة استراتيجية، ولا مجرد ورقة في صراع القوى. وراء النفط والموانئ والموقع الجغرافي هناك إنسان حضرمي له ذاكرة وتاريخ وتطلعات وأسئلة عن الدولة والسلطة والعدالة والتنمية.
فالتمسك بالتاريخ لا يعني العيش داخله والاعتزاز بالهوية لا يعني إغلاق الأبواب أمام المستقبل. التاريخ ليس سجنًا بل مرآة ننظر فيها لكي نعرف من أين جئنا لا لكي نمنع أنفسنا من الذهاب إلى حيث نريد.
هل يريد دولة تعيد أخطاء الماضي، أم دولة تجعل الإنسان مركزًا للسياسة؟ هل يريد مركزية جديدة، أم دولة تقوم على الشراكة والعدالة وتوزيع السلطة والثروة؟.
إن الجنوب الذي نحلم به لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لخريطة بل استعادة لفكرة: أن الإنسان يستحق وطنًا يحترمه، وأن الأرض تستحق إدارة رشيدة وأن التاريخ يستحق أن يُقرأ بصدق وأن المستقبل يستحق أن يُبنى بعقل مفتوح.
إنها ليست هامشًا في قصة الجنوب كما أنها ليست قصة الجنوب كلها. إنها جزء عميق من هذه القصة بخصوصيتها وتاريخها ومكانتها، ومن حقها أن تكون شريكا كاملا في صياغة المستقبل.
وحين يكتب المكان هويته لا ينبغي للسياسة أن تمحو ما كتبه التاريخ بل عليها أن تقرأه وتحترمه ثم تضيف إليه فصلًا جديدًا.
وحينها فقط، يمكن أن نقول إن الجنوب لم يستعد ذاكرته فحسب، بل بدأ يصنع مستقبله.
بعض الأماكن تتحول مع مرور الزمن إلى ذاكرة وبعضها يصبح هوية وبعضها يظل حاضرًا في وجدان أبنائه حتى عندما تتغير الخرائط وتتبدل الأنظمة وتتغير الأجيال.
وحضرموت واحدة من تلك الأماكن التي لا يمكن اختصارها في حدود مرسومة على خارطة إنها مكان كتب هويته بنفسه عبر قرون من التاريخ والهجرة والتجارة والعلم والثقافة والعلاقات الإنسانية الممتدة من وديانها ومدنها إلى سواحلها، ومن عدن والجنوب إلى فضاءات واسعة خارج حدود اليمن.
فالوطن ليس مجرد دولة والدولة ليست مجرد حدود، والهوية ليست مجرد اسم.
الوطن علاقة عميقة بين الإنسان والأرض التي عاش عليها والذاكرة التي ورثها والمستقبل الذي يريد أن يصنعه.
ومن هذه الزاوية تبدو العلاقة بين حضرموت والجنوب أعمق من أن تختصرها السياسة اليومية فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية وإنما تاريخ متداخل وذاكرة مشتركة وتجارب إنسانية وسياسية تركت أثرها في وعي أجياله.
وحضرموت بخصوصيتها التاريخية والاجتماعية والثقافية ليست خارج هذه الحكاية كما أن خصوصيتها لا تعني عزلها عن محيطها الجنوبي.
فالهوية لا تحتاج إلى إلغاء هوية أخرى حتى تثبت وجودها.
حضرموت لا تصبح أقل حضرمية عندما تكون جزءا من الجنوب، والجنوب لا يصبح أقل جنوبية عندما يعترف بخصوصية حضرموت بل إن قوة أي مشروع مستقبلي تكمن في قدرته على استيعاب هذا التنوع، وتحويله من مصدر للقلق إلى مصدر للقوة.
ومن هنا، فإن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يقوم على مركزية جديدة، بل على عقد سياسي واجتماعي أكثر عدلًا، يعترف بتنوع مناطقه وتاريخها ومصالحها.
لكن المستقبل لا يمكن أن يكون نسخة من الماضي.
ولعل السؤال الأكبر الذي يواجه الجنوب اليوم ليس فقط: ماذا كان؟ بل: ماذا يريد أن يكون؟.
هذه الأسئلة أهم من أي شعار لأن الشعارات قد تجمع الناس للحظة لكن المؤسسات وحدها تستطيع أن تجعل الوطن مستمرًا.
وإذا كان الجنوب قد دفع ثمنا باهظا من الحروب والصراعات فإن الدرس الأكبر هو أن استعادة الأرض وحدها لا تكفي. الأهم هو استعادة معنى الدولة دولة يكون فيها المواطن كامل الحقوق وتكون فيها الثروة وسيلة لبناء المدارس والمستشفيات والطرق والكهرباء وفرص العمل.
أما حضرموت فلا تحتاج إلى أن تصرخ كي يسمعها التاريخ. لقد كتبت حضورها منذ زمن بعيد وما تحتاجه اليوم هو أن يتحول هذا الحضور التاريخي إلى مستقبل يليق بأبنائها.
فالأوطان لا تُبنى عندما ينتصر جزء على جزء، بل عندما يشعر كل جزء أن الوطن يتسع له.
وحينها فقط، يمكن أن نقول إن الجنوب لم يستعد ذاكرته فحسب، بل بدأ يصنع مستقبله.












