في لحظات الانكسار، تتجه الأبصار إلى الرجال الذين خبرتهم المحن وصقلت معدنهم التجارب؛ أولئك الذين يجمعون الصفوف حين تضطرب، ويستنهضون الإرادة حين تثقلها الخسائر. وفي هذه اللحظة اليمنية العصيبة، يكتسب حضور الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي في الميدان دلالة تتجاوز تفقد المواقع إلى استعادة معنى القيادة: أن تكون حيث يُمتحن الثبات، وتُبذل التضحيات، ويحتاج المقاتلون إلى من يشاركهم الخطر وعبء المسؤولية.
- حين تصبح القيادة موقفًا
ويتجلّى عمق ارتباط الصبيحي بجنوده في المواقع المتقدمة فيما نقلته التقارير عن تحركاته بين جبهات الصبيحة ولحج وتعز، متابعًا احتياجات القوات، ومعزّزًا الإسناد، وشادًّا أزر المقاتلين. وللحضور وزنه ساعة الاضطراب؛ فالقائد الذي يقترب من رجاله يعيد إليهم الثقة، ويمنح كلماته صدقية يصعب أن تمنحها البيانات.
ويأتي الصبيحي مسلّحًا بالخبرة، راسخًا في التجربة؛ فقد قاد المنطقة العسكرية الرابعة، وتولى وزارة الدفاع، وعرفته ميادين المواجهة، وقضى أعوامًا طويلة في الأسر. وعودته إلى الصفوف امتداد لمسار اختُبرت فيه الشجاعة بالصبر، والمسؤولية بالتضحية.
- الصبيحة.. جذور الصمود وأفق الوطن
حين يقف الصبيحي بين أهله في الصبيحة، تتصل جذوره بأفق مسؤوليته الوطنية. ولهذه الأرض رصيد من التضحيات، ولأبنائها حضور في المؤسسة العسكرية وميادين الدفاع عن البلاد، يمدّ الجبهات بالثبات والنفوس بالعزيمة.
وتكتمل قيمة هذا الرصيد باتصاله بتضحيات اليمنيين في تهامة وتعز وعدن ولحج والضالع ومأرب والبيضاء والجوف وسائر الجبهات. فالأرض التي تتعدد أسماؤها يجمعها وطن، والرجال الذين تتباين مناطقهم تجمعهم مسؤولية استعادته.
- من مرارة التراجع إلى مسؤولية التصحيح
ترك التراجع في الساحل الغربي، والتقدم الحوثي في المخا وذباب ومحيط باب المندب، جرحًا تجاوز خسارة المواقع إلى اهتزاز الثقة واضطراب الحسابات. وكانت المفارقة الأشد إيلامًا أن تتجه الآمال إلى استكمال تحرير الساحل، فإذا بما كان تحت السيطرة في قطاعه الجنوبي ومداخل المضيق يتعرض للفقدان.
وما وُصف بإعادة التموضع يستدعي تقييمًا عسكريًا ومؤسسيًا صريحًا لأسبابه ونتائجه، وتحديدًا للمسؤوليات وفق الوقائع. فالمواقع التي تُفقد لا تستعيدها المصطلحات، والثغرات التي تتسع لا يغلقها الصمت.
- التعبئة عهدٌ بالمسؤولية
يكتسب النفير والتعبئة العامة معناهما حين تتحول الاستجابة الشعبية إلى قوة مدرّبة، يتوافر لها الإسناد وتتضح مهمتها ومرجعيتها. فالحماسة توقظ الإرادة، والتنظيم يمنحها القدرة على الإنجاز.
ومن يستجيب لنداء وطنه يستحق تدريبًا وتجهيزًا وإمدادًا، ورعاية إذا جُرح، ووفاءً لأسرته إن استُشهد. تلك مسؤوليات تسبق الاحتفاء بالتضحيات وتمنحه معناه الأخلاقي.
وهنا تبرز الحاجة إلى خبرة الصبيحي وسائر القيادات المجرّبة لتكامل القوات وتنسيق القرار والإسناد، ومعالجة الفجوات التي تترك الجبهات تواجه مصيرها منفردة. فالشجاعة المبعثرة تُستنزف، والمنظّمة تتضاعف قدرتها وأثرها.
- باب المندب.. كسر حلقة الخنق
عند باب المندب، تتصل معركة اليمن بأمن إقليمه وحركة العالم. فالتوسع الحوثي على الساحل يمنح الجماعة أدوات ضغط إضافية، ويوسّع مجال استثمار إيران للتهديد البحري، مع احتفاظ الحوثيين بحساباتهم ومصالحهم المحلية.
لهذا ينبغي النظر إلى هرمز وباب المندب ضمن منظومة مخاطر مترابطة. فإيران لا تحتاج إلى امتلاك المضيقين كي تستفيد من انعدام الأمن فيهما؛ إذ يكفي تزامن التهديد عندهما لرفع كلفة التجارة والطاقة وتضييق خيارات المنطقة.
وحين تستعيد الدولة سيطرتها على الساحل ومداخل باب المندب، فإنها تُسهم في كسر حلقة أساسية من معادلة الخنق المزدوج، وتحدّ من قدرة طهران على توظيف الجبهة اليمنية. ولترسيخ هذا المكسب، لا بدّ من مؤسسات قادرة وتكامل بين الجهد الوطني والدعم الإقليمي والدولي. فأمن البحر يبدأ من الساحل، وأمن الساحل يستند إلى الدولة.
ذلك هو الرهان الذي يمنح حضور الصبيحي قيمته: تعزيز صلابة الرجال وربطها بوحدة القرار، وتحويل الثقة بالقائد إلى ثقة بالمؤسسة. وستختبر الأيام المقبلة قدرتنا على تحويل الحشود إلى صفوف منظّمة، والألم إلى عمل، والصمود إلى مبادرة.












