> «الأيام» العرب:
دخلت الحرب اليمنية مرحلة جديدة، الأحد، مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء عمليات عسكرية شاملة لاستعادة ما تبقى من الأراضي الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، في أول إعلان رسمي بهذا المستوى منذ انتهاء الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022.
وقال العليمي في خطاب متلفز إن العمليات بدأت «بناء على قرارات مجلس الدفاع الوطني» وبعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، موجهًا القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية إلى تنفيذ الخطط المعتمدة بهدف إعادة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اليمنية.
ويعكس الإعلان انتقال الحكومة اليمنية من خطاب التلويح باستعادة المبادرة إلى إعلان عملية عسكرية واسعة، لكنه لا يعني أن معركة الحسم قد تحققت فعلاً. فطبيعة العملية ومداها الزمني ومحاورها الرئيسية لا تزال غير واضحة، بينما يملك الحوثيون قدرة عسكرية أثبتت خلال السنوات الماضية أنها قادرة على شن هجمات بعيدة المدى والحفاظ على مواقعها في مناطق واسعة.
لم يأت الإعلان من فراغ. فقد شهدت الجبهات اليمنية خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدًا متسارعًا، ولاسيما في محافظتي تعز ولحج، حيث تحولت مناطق التماس إلى مركز للعمليات الحكومية ضد التعزيزات الحوثية.
وقال الجيش اليمني الأحد إنه نفذ 97 عملية استهداف ضد تعزيزات حوثية في جبهات تعز ولحج، باستخدام الطيران المسيّر والطائرات الحربية والمدفعية والصواريخ والقناصة، معلنًا مقتل 260 من عناصر الجماعة وتدمير أو تعطيل 44 آلية ومركبة نقل وإمداد. وهذه أرقام صادرة عن الجيش اليمني ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة، فيما لم يصدر عن الحوثيين تعليق فوري عليها.
وقبل ذلك بيومين، قال الجيش إنه نفذ 20 ضربة جوية خلال ثلاث ساعات ضد مواقع وتحركات وآليات حوثية في تعز، في تصعيد وصف بأنه من الأكبر منذ الهدنة التي بدأت عام 2022. وتكتسب تعز أهمية استراتيجية بسبب موقعها بين مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال والطرق المؤدية جنوبًا إلى لحج وعدن والساحل الغربي.
وبذلك، تبدو العملية المعلنة امتدادًا لتعبئة عسكرية بدأت فعليًا على الأرض، وليس مجرد قرار سياسي منفصل عن التطورات الميدانية.
ويكتسب التصعيد أهمية أكبر بسبب الموقع الذي بات يحتله الساحل الغربي وباب المندب في استراتيجية الطرفين.
فبحسب رويترز، كانت السعودية تستعد لهجوم تقوده القوات اليمنية لاستعادة السيطرة على مناطق ساحلية وعلى باب المندب، مع خيارات تتراوح بين عملية محدودة في المنطقة الساحلية وهجوم أوسع متعدد الجبهات. وأشارت المصادر إلى أن الرياض ستوفر دعمًا جويًا، بينما تقدم الولايات المتحدة دعمًا استخباريًا، مع استعداد أكثر من 100 ألف مقاتل يمني محتمل للمشاركة في العملية وفق السيناريوهات التي نوقشت. ولم يكن توقيت الهجوم محددًا بصورة نهائية قبل إعلان العليمي.
ومن هنا، يمكن قراءة خطاب العليمي باعتباره انتقالًا من مرحلة الإعداد السعودي إلى تولي القوات اليمنية رسميًا زمام المبادرة البرية، وهو ما قد يمنح العملية طابعًا يمنيًا أكبر، حتى مع استمرار الدعم الخارجي.
وتعزز أهمية باب المندب بعد أن أصبحت جماعة الحوثي، وفق التقارير الأخيرة، أكثر حضورًا على الساحل الغربي وحول المضيق، في وقت أدى إغلاق مضيق هرمز إلى رفع القيمة الاستراتيجية للممرات البديلة في البحر الأحمر.
ويظل السؤال الأساسي هو ما إذا كانت العملية ستتمحور حول استعادة الساحل وباب المندب، أم ستتوسع إلى جبهات أخرى مثل مأرب والجوف والبيضاء وتعز.
وقد أظهر التحرك العسكري خلال الأيام الماضية أن القوات الحكومية تحاول الضغط على الحوثيين في أكثر من اتجاه، فيما تركزت نسبة كبيرة من العمليات في تعز ولحج. وهذا قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى استنزاف خطوط الإمداد الحوثية وحرمان الجماعة من مكاسبها الأخيرة على الساحل.
لكن تعدد الجبهات يحمل في الوقت نفسه مخاطر على القوات الحكومية نفسها، خصوصًا مع تعدد التشكيلات المناهضة للحوثيين واختلاف أولوياتها السياسية والعسكرية. وقد أظهرت السنوات الماضية أن توحيد هذه القوات تحت قيادة واحدة يمثل أحد أصعب تحديات أي عملية واسعة.
من جانب الحوثيين، يأتي الإعلان اليمني بعد سلسلة من الهجمات التي اتسعت لتشمل أهدافًا داخل السعودية. فقد أعلنت الجماعة السبت أنها هاجمت منشأة تابعة لأرامكو في الرياض بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وقالت إن ذلك جاء رداً على العمليات السعودية في اليمن. وشوهد دخان ونيران قرب المنشأة، لكن السعودية وأرامكو لم تؤكدا وقوع هجوم أو أضرار في الموقع.
ويعني ذلك أن أي تقدم بري للقوات الحكومية قد يقابله الحوثيون بتوسيع حرب الصواريخ والمسيّرات ضد السعودية والبنية التحتية للطاقة، وهو عامل سيضغط على الحسابات السعودية المتعلقة بحجم العملية ومدتها.
كما أن الحوثيين لم يصدروا، حتى الآن، ردًا على إعلان العليمي بشأن بدء العمليات الشاملة، ما يجعل من المبكر معرفة ما إذا كانوا سيكتفون بالدفاع عن خطوطهم الحالية أم سيحاولون نقل المعركة إلى جبهات أخرى.
ويحاول العليمي تقديم العملية باعتبارها «معركة الدولة»، مؤكدًا أن المدنيين في مناطق الحوثيين ليسوا أهدافًا، وفتح باب العفو أمام من يترك السلاح، مع دعوة القوات الحكومية إلى تجنب الثأر والانتقام. وهذه الرسائل تشير إلى أن الحكومة تدرك أن استعادة الأراضي لا تتعلق بالتقدم العسكري فقط، وإنما أيضًا بكيفية إدارة المناطق التي يمكن أن تنتقل من سيطرة الحوثيين إلى سلطة الدولة.
لكن الطريق إلى الحسم لا يزال طويلًا. فالعملية تحتاج إلى تفوق جوي واستخباري وإمداد مستمر، وإلى تنسيق بين القوات الحكومية والتشكيلات المختلفة، فضلاً عن القدرة على منع الحوثيين من تحويل المعركة إلى حرب استنزاف.
ولهذا، فإن إعلان العليمي قد يكون بالفعل بداية معركة واسعة، لكنه ليس إعلانًا عن نتيجة محسومة. السؤال الحقيقي خلال المرحلة المقبلة سيكون ما إذا كانت القوات المناهضة للحوثيين قادرة على تحويل التفوق الذي تتحدث عنه في تعز ولحج إلى مكاسب استراتيجية على الساحل وباب المندب، ثم البناء عليها باتجاه مناطق أخرى.













