يحمل الطفل اليمني حقيبته إلى المدرسة محمّلةً بالكتب؛ يتعلم الحساب، ويحفظ القواعد، ويستظهر الدروس. لكن ثمة كتابًا سيحتاجه طوال حياته ولا وجود له في الحقيبة: كيف يكون إنسانًا صالحًا للحياة مع الآخرين؟

من يعلّمه أن الاختلاف ليس عداوة، وأن الاعتذار لا يهزم الكرامة، وأن القوة ليست في إقصاء الأضعف، وأن المرأة شريكة في الوطن لا هامشًا فيه؟ من يعلّمه أن يتحقق قبل أن ينشر ويُشهِّر، وأن يحترم من لا يشبهه، وأن المال العام ماله أيضًا، وأن النزاهة لا تبدأ من مكتب المسؤول بل من يد صغيرة ترفض أن تأخذ ما ليس لها؟
نحن نُعدّ أبناءنا للامتحان، بينما الحياة تُعدّ لهم أسئلةً أخرى.

لن تسأل الحياة الطالب عن تعريف الأمانة، بل ستضع أمامه ما ليس له وتراقب ماذا يفعل. لن تطلب منه تعريف التسامح، بل ستضع أمامه مخالفًا له في الرأي. ولن تسأله عن معنى المسؤولية، بل ستمنحه يومًا سلطةً لترى: أيعدل أم يظلم؟ أيتراجع عن ظلمه أم يتمادى حتى يقصي المظلوم .
وهنا تكمن فجوة لا يسدّها كتاب مدرسي وحده.

فالبيت مدرسة، والشارع مدرسة، والهاتف مدرسة، ومجالس الكبار مدارس مفتوحة. الطفل الذي يسمع الإهانة يتعلمها، والذي يرى التمييز يعتاده، والذي يكبر في بيت يحترم المرأة والمختلف والفقير والعامل، يتلقى دروسًا قد تكون أبقى من كل ما حفظه على مقعد الدراسة.

واليمن، وهو يبحث عن طريق إلى غدٍ أفضل، لا يحتاج فقط إلى مزيد من الشهادات، يحتاج إلى نوع الإنسان الذي سيحمل تلك الشهادات.

فما جدوى مهندس يبني جسرًا ولا يستطيع بناء الثقة؟ وطبيب يحفظ جسد الإنسان ولا يحترم كرامته؟ ومتعلم يحمل أعلى الدرجات ولا يحتمل رأيًا مختلفًا؟ ومسؤول يعرف القانون ثم يبحث عن الباب الذي يلتف به عليه؟
إن إعادة بناء الأوطان لا تبدأ بالحجر وحده. تبدأ بإعادة بناء الضمير.

نحتاج جيلًا يتعلم أن الوطن ليس نشيدًا نحفظه فقط، بل شارع لا نلوثه، ومرفق لا نعبث به، وحق لا نسرقه، وضعيف لا نظلمه، واختلاف لا نحوله إلى ظلم وتهميش.

ربما حان الوقت أن نعيد تعريف التعليم نفسه؛ فليس المتعلم من يعرف الإجابة الصحيحة في ورقة الامتحان فقط، بل من يعرف الموقف الصحيح حين لا يراقبه أحد.
فالمدارس تخرّج أطباء ومهندسين ومعلمين ومحامين ، لكن اليمن يحتاج، قبل كل الألقاب، إلى الإنسان الذي يسكن داخلها.

لأن مستقبل البلاد لن تحدده فقط الأشياء التي نضعها في عقول أطفالنا، بل الأشياء التي نزرعها في ضمائرهم.
وتلك، للأسف، أهم الدروس التي لا تأتي دائمًا في الكتب… لكنها تظهر يومًا في صورة وطن.