> تقرير/ أحمد يسلم:
تُعدّ شجرة البن اليافعي واحدة من أهم رموز الهوية الزراعية والتاريخية في يافع منذ سكنها الإنسان وأرتبط بهذه الشجرة الأسطورية السحرية ، بل إن مذاقها ونكهتها العالمية اكتسبا شهرة تجاوزت الحدود على مر القرون. إلا أن هذا الكنز الثمين يقف اليوم على شفا الانقراض والاندثار في مدرجات يافع وأوديتها محاصرًا بين فكي التغير المناخي وتقلباته والغياب الحكومي.

بين سنوات عجاف من الجفاف الشديد، وموجات سريعة من السيول الجارفة المدمرة التي شهدتها المنطقة خلال موسم 2024م، تهاوت مدرجات وأطيان البن التاريخية لتكشف عن حجم الكارثة البيئية والاقتصادية التي تعصف بأحد أعرق الموروثات الزراعية هنا وبحسب التقديرات، فإن زراعة البن في هذه الأودية المشار إليها في هذا التقرير يزيد عن عقد ونيف من القرون الخوالي من التاريخ تبتلعها السيول.

وادي السائلة
وادي تلب
وادي سيل لبعوس
لقد جرفت السيول العارمة الأسوار الحجرية التاريخية –المعروفة بـ "الأعرم" – والتي صمدت لما يزيد عن 600 عام . هذه الجدران والأعرم لم تكن مجرد أحجار متراصة، بل كانت حاميًا تاريخيًا بناه الأجداد حجرًا حجرًا لحفظ التربة الزراعية والمدرجات الجبلية على سفوح الجبال وبطون الأودية.

ومع انهيار هذه الواقيات، أصبحت التربة الزراعية تتآكل وينجرف محتواها الخصب يوميًا مع كل سيل جديد، مما ترك أشجار البن العريقة عارية الجذور، مهددة بالقحط المميت بعد أن قاومت لسنوات الملوحة والجفاف وآفات "الأَرَضة".

نزيف لا يتوقف:فقدان 300 ألف شجرة بن
وفقًا لإفادات الأخ محسن عبدالرب بن غالب الناخبي المنسق التنموي العام لمديريات يافع، فإن ما شهدته المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية يُصنف كـ "جائحة زراعية" لم تلقَ الاهتمام الكافي.

وتشير الإحصائيات الصادمة إلى هلاك وانقراض أكثر من 300,000 (ثلاثمائة ألف) شجرة بن يافعي في أودية (ذي ناخب، تلب، سُه، وسيل لبعوس). وأوية أخرى في سنين خلت وتعود هذه الخسارة المأساوية إلى جملة من التحديات المزمنة والمركبة و المتداخلة موجات الجفاف الشديد: غياب الأمطار لسنوات طويلة وعدم وجود منظومة سدود أو حواجز مائية لحفظ حصاد مياه الأمطار.

عوامل الهجرة: تراجع الاهتمام الشعبي بالزراعة نتيجة الهجرة الداخلية والخارجية بحثاً عن فرص العيش.
غياب التعويض: عدم تعويض الفاقد من الأشجار خلال سنوات الخصب والخير.

ضعف التدخلات التنموية: غياب مشاريع الدعم الزراعي وحماية التربة من الانجراف.

وفي حديثه الصحفي والمناشدة التي وجهها، أكد المنسق التنموي لمديريات يافع أن المنسقية واللجان المحلية لم تألُ جهدًا في نقل حجم هذه المأساة للجهات المختصة والمنظمات الدولية المانحة.
تُظهر الصور الواردة من الميدان أطياناً جرفتها السيول، ومدرجات منهارة لم تُستعد جدرانها، إلى جانب مساحات واسعة من مزارع البن الهالكة التي أضحت يابسة بلا حياة.
خريطة طريق للإنقاذ:حلول هندسية بسيطة وممكنة
تؤكد المنسقية التنموية بيافع أن إنقاذ ما تبقى من البن اليافعي ليس مستحيلًا، وأن التدخل المطلوب يتلخص في خطة إنقاذ عاجلة تتضمن النظرة الهندسية والزراعية الشاملة:
تركيب الجابيونات الحجرية (Gabions): إنشاء مصدات الجابيون على ضفاف الأودية والمساطب الجبلية لحماية التربة والأطيان من الانجراف.
ترميم وإعادة تأهيل جدران حماية الأرض ( الأعرم) إصلاح البنية التحتية التقليدية والمدرجات الجبلية التي انهارت خلال السنوات الماضية.
توفير مشاتل بن حديثة: دعم المزارعين بأشتال أصيلة من البن اليافعي للتعويض عن الأشجار التي هلكت.
إدارة الموارد المائية:
بناء الحواجز والسدود وخزانات حصاد مياه الأمطار.
تأهيل الآبار المكشوفة التقليدية، وحفر آبار عميقة لتغطية مواسم الجفاف.
تزويد الآبار بمنظومات الطاقة الشمسية والغطاسات الحديثة لري المزارع وتوفير مياه الشرب.
إدخال تقنيات حديثة: الاستفادة من تجارب الدول المجاورة في استقدام أجهزة الاستمطار الاصطناعي الأيوني لتخفيف حدة الجفاف.
حماية البن هي حماية للهوية وللأمن الغذائي
إن تكلفة الجابيونات والتدخلات الهندسية البسيطة تُعد بسيطة جدًا مقارنة بالقيم الاقتصادية والثقافية لشجرة بن يافعية واحدة يتجاوز عمرها 100 عام.










