> «الأيام» العرب:

  • السعودية: من الدفاع عن الحدود إلى بناء شبكة ردع

 لم تعد معادلة الأمن السعودي تنحصر في حماية الحدود والمنشآت الحيوية من الهجمات العابرة للحدود، بعدما فرضت التحولات الإقليمية على الرياض إعادة النظر في شكل الردع الذي تحتاج إليه. ويأتي قرار حلف مكة للدفاع المشترك، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزاماته ونشر القوات والقدرات المتفق عليها في المملكة، ليقدم أحد أوضح المؤشرات على هذا التحول.

فالقرار الذي اتخذته اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية للحلف في اجتماع طارئ بالرياض لا يمثل فقط استجابة للتهديدات الأخيرة، بل يضيف طبقة جديدة إلى منظومة الأمن السعودية: الانتقال من الدفاع الوطني إلى شبكة ردع تقوم على تعدد الشركاء وتوزيع الأدوار والقدرات.

وأعلنت الدول الثلاث أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية وسرعة نشرها في السعودية، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية. كما أكدت أن أمن كل دولة طرف يمثل جزءاً من الأمن الجماعي للدول الثلاث.

توسيع دائرة الردع
خلال السنوات الماضية، ركزت السعودية بدرجة كبيرة على تطوير قدراتها الدفاعية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات التي استهدفت مدناً ومنشآت نفطية ومطارات ومنشآت حيوية.

لكن طبيعة التهديدات تغيرت. فالأزمة اليمنية لم تعد مسألة حدودية بالمعنى التقليدي، إذ أصبح أمن السعودية مرتبطاً أيضاً بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وبسلامة خطوط الطاقة والتجارة، وبقدرة الجماعات المسلحة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لضرب أهداف بعيدة عن ساحات القتال التقليدية.

وتزامن ذلك مع تصاعد العمليات العسكرية في اليمن، حيث تخوض القوات الحكومية المدعومة من السعودية معارك لاستعادة مناطق استراتيجية قرب باب المندب والساحل الغربي، بينما كثف الحوثيون تهديداتهم للمملكة. وقد ربطت تقارير حديثة بين التصعيد اليمني والقرار الثلاثي بتفعيل ترتيبات حلف مكة.

في هذا السياق، يصبح الردع السعودي أقل ارتباطاً بإمكانية اعتراض كل تهديد بمفرده، وأكثر ارتباطًا بإيصال رسالة مفادها أن أي هجوم على المملكة يمكن أن يستدعي استجابة من شبكة أوسع من الشركاء.

ووقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في أغسطس، ونص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوماً عليها جميعاً، إلى جانب تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي.

لكن القيمة الاستراتيجية للاتفاق ظهرت بصورة أوضح مع القرار الأخير بتفعيل الالتزامات عمليًا. فالاتفاق انتقل من صيغة سياسية عامة إلى ترتيبات تتطلب توفير قوات وقدرات ونشرها في المملكة.

ويكتسب ذلك أهمية لأن الدول الثلاث تمتلك عناصر مختلفة يمكن أن تضيف إلى منظومة الردع الجماعي. وتظهر بيانات 2026 العسكرية أن الدول الثلاث تمتلك مجتمعة نحو 1.4 مليون عسكري عامل وأكثر من 3,400 طائرة ونحو 6,000 دبابة وأكثر من 340 قطعة بحرية، وإن كانت هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن هذه القدرات ستصبح جزءًا من منظومة عمليات مشتركة.

وهنا تكمن المسألة الأهم: الردع لا يقاس بحجم القوات وحده، وإنما بقدرة الدول على تحويل الموارد العسكرية إلى قدرة مشتركة على العمل والاستجابة.

تنويع الشركاء
لا يعني بناء شبكة ردع أن الرياض تتجه بالضرورة إلى استبدال شراكاتها التقليدية، وإنما يمكن قراءة التطور باعتباره توسيعًا لخياراتها الأمنية.

فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة، بينما تمثل باكستان قوة عسكرية كبيرة ولديها خبرة طويلة في التعاون الدفاعي مع السعودية. أما المملكة فتملك الموارد المالية والجغرافيا الاستراتيجية ومنظومات تسليح متطورة، إضافة إلى موقعها الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر.

وتسمح هذه المعادلة للدول الثلاث ببناء تعاون يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، وإن كانت تفاصيل توزيع الأدوار والقدرات لم تعلن بعد.

كما أن تركيا كانت قد أعلنت في سبتمبر استعدادها لتلبية الاحتياجات العسكرية التقنية للسعودية في إطار اتفاق مكة، مع تأكيدها أن الاتفاق لا يستهدف استبدال التحالفات القائمة.

وهذا التفصيل مهم؛ فالمسار الجديد يمكن فهمه بوصفه تنويعاً لشبكة الأمن السعودية، وليس بالضرورة إعادة صياغة كاملة لعلاقاتها الدفاعية.

وسيكون اليمن الاختبار الأول لهذه الشبكة. فالهجمات الحوثية لا تستهدف الحدود السعودية فقط، بل ترتبط بممرات بحرية ومواقع اقتصادية ومنشآت حيوية.

وفي الوقت نفسه، فإن السيطرة على مناطق من الساحل اليمني أو تهديد باب المندب يوسع نطاق المخاطر من أمن السعودية إلى أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الرياض لا تنظر إلى المعركة اليمنية باعتبارها ملفًا منفصلًا عن أمنها الوطني. فقد تزامن الهجوم المضاد للقوات اليمنية المدعومة سعوديًا مع تصعيد سعودي جوي ضد الحوثيين، بينما أعلنت دول حلف مكة تفعيل التزامات الدفاع المشترك.

وبذلك، قد يتحول الردع الجديد إلى منظومة متعددة الطبقات: دفاع داخل الأراضي السعودية، دعم للقوات الحليفة في اليمن، حماية للممرات البحرية، وتنسيق مع شركاء إقليميين يمتلكون قدرات مختلفة.

منظومة أمن إقليمية
السؤال الأوسع هو ما إذا كان حلف مكة سيظل إطارًا دفاعيًا ثلاثيًا محدودًا، أم يمكن أن يصبح نواة لترتيبات أمنية إقليمية أوسع.

المؤشرات الحالية لا تكفي للقول إن منظومة أمن جديدة تشكلت بالفعل، خصوصًا أن الاتفاق لا يزال في مرحلة بناء مؤسساته، وقد عين الحلف أخيراً أول أمين عام له لمدة ثلاث سنوات.

لكن الاتجاه واضح في نقطة واحدة: السعودية توسع دائرة الشركاء الذين يمكن أن تعتمد عليهم في مواجهة التهديدات، ولا تحصر الردع في القدرة الوطنية أو في علاقة واحدة مع قوة خارجية.

وهذا التحول يتناسب مع بيئة إقليمية أصبحت فيها التهديدات أكثر تنوعًا: صواريخ ومسيرات، جماعات مسلحة، تهديدات للممرات البحرية، استهداف للبنية التحتية، واحتمال امتداد الأزمات من ساحة إلى أخرى.

مع ذلك، فإن بناء شبكة ردع لا يعني تلقائيًا إغلاق أبواب التصعيد. فكلما اتسعت شبكة الالتزامات الدفاعية، أصبحت إدارة الأزمات أكثر أهمية، خصوصًا عندما تكون خطوط التماس قريبة من ممرات تجارية ومنشآت اقتصادية حيوية.

ولهذا ستحتاج المعادلة السعودية إلى الجمع بين الردع العسكري والتحرك الدبلوماسي، وبين حماية الداخل والتعامل مع مصادر التهديد خارج الحدود.

وقد يكون هذا هو جوهر التحول: الردع السعودي لم يعد مسألة منظومات دفاعية تنتظر الهجوم، بل شبكة من الشراكات والقدرات والاتصالات السياسية والعسكرية تهدف إلى منع الخصوم من اعتبار السعودية هدفاً يمكن ضربه بكلفة محدودة.

ومن هنا، فإن حلف مكة يمثل خطوة في مسار أوسع. فالسعودية، في ظل بيئة إقليمية شديدة السيولة، تبدو أمام معادلة أمنية جديدة لا يكفي فيها أن تكون حدودها محمية؛ بل يصبح أمنها مرتبطًا أيضًا بمصادر التهديد في اليمن، وباب المندب، والبحر الأحمر، وبقدرة الشركاء على التحرك معها.

من الدفاع عن الحدود إلى بناء شبكة ردع، تتحول الجغرافيا السعودية من مساحة ينبغي حمايتها إلى مركز لمنظومة أمنية تتوزع أدوارها بين أكثر من شريك. ويبقى الاختبار الحقيقي لهذه المعادلة في قدرتها على تحقيق الردع من دون تحويل شبكة الأمن الجديدة إلى شبكة تصعيد دائم.