​مساء يوم الثلاثاء، السادس من أكتوبر 2026م، ليس كمثله مساء، ففيه صعقت العاصمة عدن بخبر مؤلم لسكانها.

رحل المهندس فتحي علوي زين السقاف، مدير الوحدة التنفيذية للمشاريع الممولة خارجيًا في قيادة السلطة المحلية بالعاصمة عدن، وأحد الكوادر الهندسية والإدارية التي ارتبط اسمه لسنوات بملفات المياه والصرف الصحي والمشاريع الخدمية والتنموية والإنسانية.

لم يكن رحيله مجرد غياب لمسؤول أو موظف عام، بل كان فقدًا لرجل ترك في الأمكنة التي عمل فيها أثرًا يتجاوز حدود المنصب؛ رجلٍ عرفه زملاؤه ومسؤولو المؤسسات والمواطنون بدماثة الخلق، والتواضع، والكفاءة، والحرص على إنجاز ما يوكل إليه بعيدًا عن الضجيج والمظاهر.
  • من الوهط.. حيث الجذور الأولى
تعود أصول أسرة المهندس فتحي السقاف إلى حضرموت، قبل أن تنتقل الأسرة إلى مدينة الوهط بمحافظة لحج، تلك المدينة التي عُرفت بتاريخها الثقافي والاجتماعي وبشخصياتها التي أسهمت في الحياة العامة في كل محافظات الجنوب وخارجها.

نشأ فتحي السقاف، حاملًا معه منذ سنواته الأولى ملامح البيئة التي ينتمي إليها؛ البساطة، والتواضع، والاعتزاز بالعمل، واحترام الناس.

وفي سبعينيات القرن العشرين كانت الوهط مكانا لولادة وطفولة وشباب رجل سيشق طريقه لاحقًا إلى عدن، المدينة التي ستصبح المجال الأوسع لتجربته العلمية والمهنية والإنسانية.

انتقل السقاف إلى عدن، وهناك واصل تعليمه الجامعي، حتى تخرج من كلية الهندسة بجامعة عدن، لتبدأ بعد ذلك رحلته العملية التي امتدت لسنوات طويلة في ميادين الهندسة والإدارة والخدمات والمشاريع والعمل الاجتماعي والإنساني.

كان اختياره للمجال الهندسي متسقًا مع شخصية عملية تميل إلى الإنجاز والحلول، لا إلى الاكتفاء بالكلام؛ ولذلك سرعان ما وجد نفسه في مواقع تتطلب الجمع بين المعرفة الفنية والقدرة الإدارية والتعامل مع الملفات المعقدة، من الهندسة إلى الإدارة.

في ال3 مارس 2014م، صدر قرار بتكليفه مديرًا عامًا للمؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بمحافظة عدن، ليجد نفسه في مواجهة واحد من أكثر الملفات الخدمية حساسية في مدينة تعاني تحديات متراكمة في مصادر المياه وشبكاتها والطاقة والصرف الصحي.

لم يكن العمل في المؤسسة مهمة إدارية مكتبية، بل كان احتكاكًا يوميًا بمشكلات تمس حياة الناس بصورة مباشرة؛ من الآبار وشبكات الضخ إلى خطوط المياه والصرف الصحي، ومن الأعطال الطارئة إلى الحاجة المستمرة لتطوير البنية التحتية.

وطوال فترة عمله، تحدث السقاف في أكثر من مناسبة عن واقع منظومة المياه في عدن، والتحديات التي تواجهها، والحاجة إلى تمويل مشاريع جديدة ورفع كفاءة مصادر المياه وشبكات التوزيع.

وفي يناير 2019م كان يشغل منصب نائب مدير عام المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بعدن، وبرز اسمه في متابعة مشاريع دعم حقول المياه، ومواصلة تقديم خدمات إمدادات المياة لسكان عدن بعد تضررها جراء الحرب التي شنت على المدينة، ومنها وصول دفعة من المضخات الغاطسة المقدمة عبر مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع UNOPS، بهدف إعادة تشغيل الآبار المتوقفة وزيادة إنتاجية حقول المياه، لرفع الإنتاج بنحو 17 ألف متر مكعب يوميًا.

وفي مايو 2019م أصدر محافظ عدن آنذاك أحمد سالم ربيع علي القرار رقم 84 لسنة 2019م، الذي قضى بتكليف المهندس فتحي علوي زين السقاف قائمًا بأعمال مدير عام المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بعدن.

كانت تلك المرحلة من أكثر مراحل عمله حضورًا، إذ انخرط في متابعة عدد من المشاريع التي استهدفت تحسين إمدادات المياه ومعالجة الاختناقات في شبكات الصرف الصحي.

ومن المشاريع التي ارتبطت بفترة عمله مشروع تموين مديريتي المعلا والتواهي بالمياه، الذي بدأ تنفيذه في سبتمبر 2019م من خلال إنشاء خط أنابيب بقطر 16 بوصة للضخ المباشر إلى المديريتين، بتمويل من منظمة اليونيسف، ليكون خطًا احتياطيًا يساعد على استمرار الإمدادات عند حدوث أعطال في خط تموين خزان جبل حديد.

وفي نوفمبر من العام نفسه، تفقد مشروع مياه منطقة البساتين بمديرية دار سعد بعدن، الذي شمل حفر آبار جديدة وتركيب منظومة ضخ بالطاقة الشمسية وإنشاء خزان وشبكات للمياه والصرف الصحي، بتمويل من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وفي ديسمبر 2019م تحدث عن مصادر المياه التي تعتمد عليها عدن، ومنها حقول بئر ناصر والمنصورة وبئر أحمد، إلى جانب الاستفادة من حقل اللحسن في محافظة أبين، مؤكدًا الحاجة إلى تطوير مصادر المياه ورفع كفاءة الحقول القائمة.

كان السقاف يدرك أن أزمة المياه ليست مشكلة فنية منفصلة، بل ملف متشابك مع الطاقة والتمويل والبنية التحتية والنمو السكاني، ولذلك اتجه في عمله إلى البحث عن شراكات ودعم من الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والجهات المانحة.
  • في مواجهة تحديات المياه والصرف الصحي
وفي يونيو 2020م شارك، بصفته مديرًا عامًا للمؤسسة، في إجراءات فتح مظاريف المجموعة الثانية من مشروع تطوير مرافق المياه والصرف الصحي بعدن، الذي تضمن مشاريع لشبكات المياه والصرف الصحي للجمعيات السكنية بتمويل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

وفي غضون ذلك تابع أعمال صيانة وتصفية خطوط وشبكات الصرف الصحي وتشغيل عدد من الآبار، وهي تدخلات أسهمت في معالجة آثار المنخفض الجوي الذي شهدته عدن خلال عام 2020م.

ومع نهاية سبتمبر من العام نفسه، جرت مراسم الاستلام والتسليم بينه وبين المدير العام الجديد للمؤسسة، لتنتهي بذلك مرحلته في الإدارة التنفيذية للمؤسسة، دون أن تنتهي علاقته بملفات الخدمات والمشاريع في العاصمة.
فالرجل الذي أمضى سنوات في تفاصيل المياه وشبكاتها كان قد راكم خبرة جعلته مؤهلًا للانتقال إلى مساحة أوسع من العمل التنموي.
  • من المياه إلى المشاريع الممولة خارجيًا
وفي الأول من أكتوبر 2024م، أصدر محافظ عدن -وقتذاك- أحمد حامد لملس القرار رقم 76 لسنة 2024م، الذي قضى بتكليف المهندس فتحي علوي زين السقاف مديرًا للوحدة التنفيذية للمشاريع الممولة خارجيًا في العاصمة عدن.

كان المنصب الجديد امتدادًا طبيعيًا لتجربته السابقة، لكنه وضعه أمام ملفات أكثر اتساعًا، تتصل بالمشاريع الممولة من الجهات والمنظمات الدولية والمحلية، ومتابعة تنفيذها والتنسيق بشأنها مع السلطة المحلية والشركاء والجهات الداعمة.

وفي أكتوبر 2024م، استقبل المهندس فتحي السقاف محافظ عدن في مقر الوحدة التنفيذية، وجرى الاطلاع على نشاط الوحدة ومستوى تنفيذ المشاريع، والتأكيد على أهمية تعزيز الشراكة مع الجهات الخارجية والمحلية ومتابعة المشاريع الممولة بصورة مستمرة.

ومن بين الملفات التي تابعها مشروع ترميم المساكن المتضررة في مديرية صيرة بعدن، ومشروع إعادة تأهيل سينما أروى بتمويل من اليونسكو، إلى جانب عدد من مشاريع البنية التحتية والخدمات.

وفي يناير 2025م شارك في تسليم موقع مشروع إنشاء محطة الضخ الرئيسية لمياه الصرف الصحي في حي العريش بمديرية خورمكسر، وهو مشروع ممول من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

كما شارك السقاف خلال الفترة نفسها في متابعة مشاريع أخرى، بينها مشروع إعادة تأهيل دار رعاية الأحداث في مدينة الشعب، وفي لقاءات مع الجهات الدولية بشأن دعم مشاريع البنية التحتية والصرف الصحي في العاصمة عدن.

واستمر خلال العام الجاري 2026م في منصبه مديرًا للوحدة التنفيذية للمشاريع الممولة خارجيًا، مواصلًا العمل في ملفات المشاريع والبنية التحتية، حتى جاء يومه الأخير بصورة لم يكن أحد يتوقعها.

ورغم تعدد المناصب التي شغلها فتحي السقاف، فإن الذين عرفوه عن قرب لا يستحضرون المناصب أولًا، بقدر ما يستحضرون الإنسان.

كان، بحسب شهادات زملائه ومعارفه، رجلًا هادئًا وودودًا، متواضعًا في تعامله، قريبًا من الناس، حريصًا على أداء واجبه دون تكلف أو تمنن.

ووصفه من عملوا معه بأنه مهني كفؤ وإداري متمكن، مخلص في عمله، متفانٍ في أداء واجبه، وحريص على خدمة عدن وأهلها، وكان حاضرًا بحيويته وخبرته، ولم يكن معروفًا عنه التخاذل عن مسؤولياته أو التراجع أمام صعوبة المهام والمنغصات.

هذه الصفات هي التي جعلت علاقات السقاف المهنية تتجاوز حدود المؤسسات التي عمل فيها؛ فقد ارتبط اسمه أيضًا بمبادرات واهتمامات مجتمعية تخص عدن، وكان عضوًا في مشروع عدن الوطني وأحد مؤسسيه، في إطار جهود هدفت إلى الاهتمام بقضايا عدن وخدمة أبنائها.

لم يكن فتحي السقاف بالنسبة إلى كثيرين مجرد مهندس أو مسؤول إداري؛ كان واحدًا من أولئك الذين يرون في الوظيفة العامة أمانة، وفي خدمة المدينة مسؤولية، وفي نجاح العمل قيمة شخصية لا تقل عن قيمة المنصب.

يوم الرحيل..في عصر يوم الثلاثاء، السادس من أكتوبر 2026م، كان المهندس فتحي السقاف حاضرًا في منتدى صحيفة «الأيام» بمديرية كريتر كالعادة، يشارك في لقاء عادي مع أصدقاءه..، بدا في ساعاته الأولى كيوم آخر من الأيام المعتادة.

وقبيل المغرب غادر منتدى صحيفة الأيام متوجهًا في مهمة عمل إلى مصنع غاز الأكسجين.
هناك، وبصورة مفاجئة، شعر بضيق في التنفس، قبل أن يسقط أرضًا، ليُسعف على عجل إلى مستشفى محمد بن سلمان في كريتر.

بذلت الطواقم الطبية محاولات لإنقاذه وإنعاشه، إلا أن القدر كان قد قال كلمته.

وفي مساء اليوم نفسه، انتشر خبر رحيله سريعًا في عدن ولحج وبقية المناطق، وبين زملائه وأصدقائه ومحبيه، ليترك صدمة مضاعفة؛ إذ كان الرجل، حتى ساعات قليلة قبل وفاته، يتحرك بين الناس ومواقع العمل، ويتحدث بهدوء مع أصدقاءه بمنتداه اليومي لصحيفة الأيام العدنية، ويؤدي مهامه بصورة طبيعية كعادته اليومية.

وجاءت وفاته إثر أزمة قلبية مفاجئة، فيما نعته شخصيات رسمية واجتماعية ومؤسسات وأصدقاء وزملاء، مستذكرين مسيرته العطرة والطويلة في خدمة المدينة وناسها.
  • حين تتحدث سيرة الرجل بلسان محبيه
لم تكن عبارات الرثاء التي أعقبت رحيله مجرد تعازٍ تقليدية؛ فقد تكررت في شهادات من عرفوه معانٍ واحدة تكاد تتفق عليها الكلمات: الطيبة، والتواضع، والنزاهة، والكفاءة، والإخلاص، والاجتهاد، ومحبة عدن.

قال أحد الذين عرفوه في العمل إنه كان رجلًا طيبًا ومسؤولًا متواضعًا، بينما وصفه آخرون بأنه من أروع الأشخاص الذين يمكن أن يصادفهم المرء في الحياة، لما جمعه من الأخلاق والطيبة والاجتهاد في عمله.

وتوالت شهادات من زملائه ومعارفه التي استحضرت نشاطه وحيويته وحرصه على أداء واجبه، مؤكدين أنه كان يؤمن بأن خدمة الناس والمدينة مسؤولية وشرف، وأنه لم يتعامل مع موقعه بوصفه امتيازًا، بل باعتباره أمانة ينبغي الوفاء بها.

وفي برقيات نعيه التي مازالت تتوالى وتنشر بوسائل التواصل الاعلامي، استعاد كثيرون مسيرته المهنية في مؤسسة المياه والوحدة التنفيذية، وما قدمه من جهود في تطوير العمل والارتقاء بمستوى الخدمات ومتابعة المشاريع، فيما اتسعت دائرة الحزن من أسرته وزملائه إلى أبناء عدن والوهط ومناطق عديدة ببلادنا، وكل من عرف الرجل أو تعامل معه.

وهنا تبدو قيمة الإنسان بعد رحيله: فالمناصب تنتهي، والقرارات تتغير، والمكاتب تتبدل شاغليها، لكن السيرة الطيبة تبقى.
عدن تودع أحد رجالها الذي قدم للمدينة كل شيء، كان الحزن يحمل معنى الاسى والوجع. كان الرحيل لرجل خدم عدن في أصعب ملفاتها وأكثرها اتصالًا بحياة الناس.

رحل المهندس فتحي علوي زين السقاف، لكن ما تركه خلفه لا يختصره منصب ولا قرار إداري.
ترك مشاريع تابعها، وملفات عمل عليها، وزملاء عرفوا أخلاقه، وأصدقاء حفظوا ودّه، وأناسًا وجدوا فيه مسؤولًا قريبًا منهم، 

رحم الله المهندس فتحي علوي زين السقاف، وغفر له، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من خدمة للناس والمدينة في ميزان حسناته.
العزاء لأسرته وذويه، ولأبناء الوهط ولأبناء عدن، ولزملائه وأصدقائه وكل من عرفه وأحبه.

نم قرير العين أيها المهندس النبيل الأسر للقلوب؛ فقد مضيت، وبقيت سيرتك.