على مدرجات التاريخ، حيث يظلل الأكروبوليس سماء أثينا، وحيث يتنفس البحر الأبيض المتوسط عبق قرون خلت، وقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ليُلقي خطابًا لم يكن في ظاهره سوى نشيد للحضارة الغربية، لكنه في باطنه كان رسالة قديمة بقوالب جديدة: هي: إن أردتِ يا أوروبا أن تبقي في الصورة، فابقي في الإطار الذي رسمته لكِ واشنطن.
لكن كل هذا مطلوب منها دون أن تطالب بمقعد القيادة، ودون أن تبني استقلالها الدفاعي، ودون أن تقرر مصيرها خارج المظلة الأميركية.
اختار الرجل أثينا مسرحًا، لا لأنها مهد الديمقراطية فحسب، بل لأنها الرمز الذي يُستدعى كلما أراد الغرب أن يذكّر نفسه بأنه وريث مجد لا يموت.
تحدث عن "مفترق الطرق"، وعن عقد قادم "سيصوغ قصة القرن المقبل"، وعن خيار وجودي بين الصعود والأفول.
غير أن العبارة الأكثر دلالة جاءت حين أشاد بـ"بناة الإمبراطوريات": الإسكندر، وقيصر، وشارلمان، وكورتيس، ذلك الغازي الإسباني الذي أطاحت سيوفه بحضارة الأزتك.
لم تكن هذه إشارة بريئة، إنها دعوة صريحة إلى استعادة منطق القوة، وإلى التحرر من عقدة الذنب التي أثقلت ضمير الغرب عقودًا.
قال روبيو إن الإغريق القدامى "كانوا يدركون أنه لا شيء أناني أو خاطئ في الولاء للوطن"، وإنهم آمنوا بـ"الرجل العظيم".
وفي هذا الكلام ما هو أبعد من الإعجاب التاريخي؛ إنه إعلان أيديولوجي بأن زمن القواعد الليبرالية قد ولّى، وأن زمن الزعماء والحدود والقوة قد عاد.
لكن المفارقة الكبرى تظهر حين نقرأ هذا الخطاب على ضوء الحقيقة البنيوية للعلاقة الأطلسية.
فما يطلبه روبيو من أوروبا ليس أن تكون قوية فحسب، بل أن تكون قوية بما يكفي لتحمل الأعباء، وضعيفة بما يكفي لعدم التمرد.
إنه يريد أوروبا تحرس تخوم الغرب، لكن دون أن تطالب بمقعد القيادة.
يريدها أن تنفق على جيوشها، لكن دون أن تبني صناعة دفاع مستقلة.
يريدها أن تغلق حدودها، لكن دون أن تقرر من يدخل ومن يُطرد وفق مصالحها هي.
لقد تحدث روبيو عن "المحو الحضاري" في ميونخ، وعن "الضمور والتبعية" في أثينا، لكنه لم يقل الكلمة الأصدق: إن أوروبا التي تخشى الضمور ليست تلك التي تفتقر إلى القوة، بل تلك التي تفتقر إلى السيادة.
إن "الهيمنة الغربية" التي يدافع عنها روبيو ليست شيئًا واحدًا.
إنها عند واشنطن إطار أحادي القطب، يتقدم فيه الأمن الأميركي على أي اعتبار أوروبي.
وعند أوروبا، هي نظام تحالفي تُفترض فيه المساواة.
ولأن هذين التصورين لا يلتقيان، فإن كل خطاب أميركي عن "الوحدة الغربية" يبدو لأذن أوروبية كدعوة إلى الطاعة مغلفة بلغة الأخوة.
وقد لمس روبيو، وهو ابن مهاجرين كوبيين، مسألة الهجرة بحساسية خاصة، داعيًا إلى تعاون أميركي-يوناني "لأمن الحدود".
لكن أوروبا التي تستقبل ملايين اللاجئين، وتعاني أزمات سياسية عميقة بسبب قضايا الهوية والاندماج، لا تحتاج إلى محاضرات عن "الحدود"، بل إلى شراكة حقيقية في مواجهة أزمة إنسانية وسياسية لا حل لها بقرارات أمنية وحدها.
الخطاب إذن لم يكن عن "حماية الغرب"، بل عن إعادة تعريفه بحيث يبقى مركز الثقل في واشنطن.
وما تخشاه أوروبا ليس صعود الصين ولا فوضى الشرق الأوسط، بل أن تجد نفسها في المستقبل مجرد ساحة خلفية لصراعات أميركية لا قرار لها فيها.
لقد وقف روبيو في ظل البارثينون، وتحدث عن "شعلة كانت متقدة قبل آلاف السنين".
لكن الشعلة التي تتحدث عنها أثينا ليست شعلة الإمبراطوريات، بل شعلة المدينة-الدولة التي اخترعت النقاش الحر، والمساءلة، والمواطنة.
ولو أنصف روبيو التاريخ الذي استشهد به، لعلم أن أثينا لم تسقط حين هاجمها الفرس، بل حين تخلى أهلها عن حقهم في أن يكونوا سادة قرارهم.











