> «الأيام» العرب اللندنية:

تربط السعودية فرص وقف القتال في اليمن بتغيير المعادلة الميدانية وضمان أمن حدودها والممرات البحرية الاستراتيجية، في ظل تصاعد المواجهات مع الحوثيين على الساحل الغربي، وتراجع فرص العودة السريعة إلى طاولة المفاوضات.

وتكشف هذه المقاربة عن تحول في ترتيب الأولويات السعودية، من البحث عن تسوية سياسية إلى السعي أولا لانتزاع أوراق الضغط العسكرية التي ترى الرياض أنها ضرورية لأي اتفاق قابل للاستمرار.

وبحسب تقرير نشره موقع «بوليتيكو»، لا تبدي السعودية اهتماما كبيرا بالتفاوض على اتفاق سلام في المرحلة الراهنة، مع تركيزها على استعادة مواقع استراتيجية سيطر عليها الحوثيون في سبتمبر على امتداد ساحل البحر الأحمر، وأدت التطورات المرتبطة بها، وفق التقرير، إلى تعطيل مسار باب المندب أمام شحنات الطاقة.

ويشير هذا الموقف إلى أن الرياض لا تنظر إلى المواجهة باعتبارها نزاعا يمنيا داخليا فحسب، بل باعتبارها تهديدا مباشرا لأمنها ومصالحها الاستراتيجية، خصوصا مع استمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي ينفذها الحوثيون باتجاه الأراضي السعودية، وما يترتب على التصعيد من مخاطر على حركة السفن وإمدادات الطاقة.

وتتمثل الأولوية السعودية الأولى في استعادة المواقع الساحلية التي تمنح الحوثيين قدرة على التأثير في الملاحة عبر باب المندب، بما يحد من قدرتهم على استخدام الجغرافيا البحرية ورقة ضغط في المواجهة الإقليمية. ووفق تقرير «بوليتيكو»، شنت السعودية هجوما عسكريا لاستعادة هذه المواقع، في مؤشر على أن الرياض ترى أن تثبيت الوضع الميداني لمصلحة الحوثيين سيجعل أي مفاوضات لاحقة أكثر صعوبة.

ونقل التقرير عن السفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني قوله إن استمرار سيطرة الحوثيين على الأراضي المحاذية لباب المندب، بالتزامن مع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المملكة، يجعل الحديث عن خفض التصعيد أمرا صعبا من وجهة النظر السعودية.

ويعني ذلك أن استعادة المواقع الاستراتيجية تمثل، وفق هذه القراءة، شرطا ميدانيا أساسيا لتهيئة الظروف أمام أي مسار سياسي، وإن لم تعلن الرياض قائمة رسمية متكاملة بشروطها لوقف القتال. فالمطلوب ليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل تقليص قدرة الحوثيين على تهديد الأراضي السعودية والممرات البحرية بعد انتهاء المواجهات.

أما الشرط الثاني فيتعلق بطبيعة أي اتفاق محتمل وآليات تنفيذه. ونقل «بوليتيكو» عن مسؤول إقليمي لم يسمه أن المفاوضات التي تمنح الحوثيين الوقت لإعادة تجميع صفوفهم والتسلح والاستعداد لجولة جديدة لا تمثل سلاما مستداما.

وشدد المسؤول على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق مستقبلي ضمانات موثوقة والتزامات واضحة وآليات فعالة للتنفيذ، مستندا إلى ما وصفه باستغلال الحوثيين اتفاقات سابقة لإعادة بناء ترسانتهم.

وتكشف هذه المخاوف عن أزمة ثقة تتجاوز الخلاف على تفاصيل التسوية، لتشمل قدرة الأطراف على الالتزام بها ومنع تجدد المواجهات. فبالنسبة إلى الرياض، لا تكفي التعهدات السياسية إذا لم تقترن بآليات تحقق ومراقبة تضمن عدم استخدام فترة الهدوء لتعزيز القدرات العسكرية التي يمكن توظيفها لاحقا ضد السعودية أو الملاحة الدولية.

ويضع هذا الشرط أي وساطة مقبلة أمام اختبار صعب: كيف يمكن التوصل إلى وقف للقتال من دون أن يتحول إلى هدنة مؤقتة تتيح إعادة إنتاج أسباب الحرب؟ كما يثير تساؤلات بشأن طبيعة الضمانات الممكنة، والجهات القادرة على مراقبة تنفيذها، ومدى استعداد الحوثيين لقبول قيود تمس قدراتهم العسكرية.

ولا تنفصل الحسابات السعودية عن التداعيات الاقتصادية الأوسع للصراع. فاستمرار القتال قرب باب المندب يرفع المخاطر المحيطة بحركة السفن وناقلات النفط، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة ضغوطا إضافية بسبب اضطراب الصادرات عبر مضيق هرمز.

ويحذر تقرير «بوليتيكو» من أن إطالة أمد المواجهة قد تزيد المخاطر على ناقلات النفط، وتفاقم ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية استعادة المواقع الساحلية على منع الحوثيين من توسيع نفوذهم، بل تمتد إلى حماية أحد الممرات البحرية المهمة للتجارة الدولية.

وتقدم هذه التطورات واشنطن بدورها على معادلة معقدة. فبحسب التقرير، توفر الولايات المتحدة معلومات استخباراتية وتزود الطائرات السعودية بالوقود جوا خلال دورياتها الدفاعية، لكنها لم تشارك مباشرة في حملة القصف ضد الحوثيين. ومع ذلك، قد تنعكس تداعيات الصراع على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، بما يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام ضغوط اقتصادية وسياسية إضافية قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

وفي المحصلة، تبدو شروط وقف القتال، كما يمكن استخلاصها من الموقف السعودي الذي عرضه التقرير، مرتبطة بثلاثة ملفات متداخلة: استعادة المواقع الاستراتيجية على الساحل، والحد من التهديدات العابرة للحدود والبحرية، وضمان ألا يتحول أي اتفاق إلى فرصة لإعادة بناء القدرات العسكرية الحوثية.
لكن تحقيق هذه الأهداف لا يبدو قريبا بالضرورة؛ إذ إن استمرار العمليات العسكرية قد يرفع كلفة المواجهة ويزيد المخاطر على الملاحة والطاقة، بينما يتطلب الاتفاق المستدام تفاهمات وضمانات لم تتضح بعد ملامحها. وبين أولوية تغيير الواقع الميداني والحاجة إلى تسوية سياسية، يبقى التحدي أمام الرياض هو تحويل المكاسب العسكرية، إن تحققت، إلى ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار، لا إلى جولة جديدة من الصراع.