بين حربٍ دامت عقدًا ونيفًا من السنوات، وهُدَنٍ ظلّت معلّقةً بحبال هواء خاوية، دفعت بلادنا اليمن ثمنًا باهظًا لحربٍ خاسرة بمعادلاتها الإنسانية والتنموية. تحوّلت بلادنا معها إلى بلدٍ يحمل صفة «البلد الفاشل»، وليس «الدولة الفاشلة»، إذ لا دولة لدينا أصلًا، وهذا هو أصل الداء والبلاء.
مؤخرًا، تفجّرت حربٌ ضروس تدور رحاها ضمن جغرافيا المضائق وأنابيب المصالح، وفي ظل بلاهات إعلامية تحارب بلغة الصورة الكاذبة والتحليل المحلّق في فضاء البهرجة والقدح، دون معلومات مؤكدة. لتجد نفسك، كمواطن يبحث عن الحقيقة، تتابع هنا وهناك، ثم تجد نفسك أخيرًا متمسّكًا بالحكمة القائلة: «لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق، ولا تبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة».
فلا معلومات مؤكدة، والمشاهد يفترض أن يحترم وعيه، حتى لا يصبح لقمة سائغة لهذا الطرف أو ذاك. مع وجوب التأكيد من جانبنا أن طرفَي الصراع طرفان متناقضان: طرفٌ ينبغي أن ينتصر لمشروع الدولة، وطرفٌ انقلب عليها.
والأمر هنا لا ينتهي عند هذا الحد؛ لأن ثمن الحرب وكلفتها لا يمثّلان وبالًا على طرفَي الصراع وحدهما، فلكل طرف تعبيراته البشرية، كما أن له مفردات خطابه السياسي، نتفق معها أو لا نتفق. وذاك شأنٌ تقرّره حقوق المواطنة المغيّبة، وشروط المشاركة السياسية غير المتاحة، إلا ضمن شروط لا وطنية.
نعود إلى الحرب التي تفجّرت بهذا العنفوان، وضمن مفاجآت من العيار الثقيل، خاصةً تلك التي وُلِدت في تاريخ بلادنا الحديث: مسرحية سقوط المخا، التي كانت مشروعًا مستزرعًا خارج السيادة والسياسة الوطنية، وكانت بمثابة «إسبرطة» جديدة تحلّق في سماء آفاق وامتدادات خارج بلدنا العزيز.
وحين تغيّرت عناوين اللعبة، جاءت المفاجأة التالية من العيار الثقيل، والمفرحة لنا وطنيًا: استعادة باب المندب، ومعه المخا وذُباب، وقل ما شئت. وفي الوقت نفسه، تتابع وسائل إعلام من هنا وهناك، فتقول كل شيء إلا الصدق.
دعونا نفتح الأبواب على مصراعيها: إن الحرب التي تُدار في بلادنا هي لعبة «علي بابا» بأسواق الأربعين حرامي؛ كبيرهم علّمهم الكذب: ترامب، وثانيهما المرابي نتنياهو، المستعد ليس فقط لإحراق إيران، بل لإحراق الشرق الأوسط كله، ثمنًا لإعادة انتخابه، تمامًا كما يدير اللعبة سيّد البيت الأبيض، الحالم بقيادة أمريكا بوصفها القوة الأولى والأخيرة، ولو كان الثمن نهاية العالم.
فما يجري من ألعاب وضحك على الذقون، ضمن محركات جوجل الشيطانية، يدور حول إعادة صياغة كونية جديدة للعالم، أمريكية اللون والطعم والرائحة. إنها صراعات ممتدة على مختلف الساحات، من أجل امتلاك ناصية مستقبل البشرية، عبر عناوين أهمها:
من يسيطر على مصادر الطاقة؟
حرب المواجهات الاقتصادية، عبر فرض الرسوم الجمركية الأمريكية، في تجاوزٍ لأي نظام دولي.
هنا نقول إن حرب الخليج، وما تعبّر عنه من مواجهة أمريكية إسرائيلية، قد ولّدت حروبًا ومواجهات بأسماء شتّى. غير أن ألعنها هي الحرب التي تدور رحاها في بلادنا؛ فبلادنا تدفع ثمن حربٍ لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
أجزم بأن الحرب التي تُخاض حاليًا، ويدفع شعبنا ثمنها، ستأتي لحظة تنقلب فيها الأمور رأسًا على عقب. ماذا تريد أمريكا أولًا؟ إخضاع إيران إلى ما دون الصفر؟ إن ذلك سيدمّر منطقة الشرق الأوسط كلها، لتتسيّدها إسرائيل بحماية أمريكية.
وما يُدار من معارك في بلادنا بهذا الشكل المنفلت، وصولًا إلى امتدادها نحو الأراضي السعودية، إنما يعزّز منافع من يقف وراء إشعال الحروب. وعليه، فإن ما نراه من كرّ وفرّ ليس إلا محاولة لتحسين شروط التفاوض حول خارطة «اليوم التالي» للحرب.
لقد خلقت أمريكا وإسرائيل، بحربهما على إيران، واقعًا مكلفًا اقتصاديًا، خنق العالم، وبات الجميع يبحث عن حلّ يدفع الآخرون ثمنه. ونحن، للأسف، ندفع الثمن، فيما يُترك شعبنا مشرّدًا في العراء.
هكذا ترك العالم الحبل على الغارب لأمريكا وإسرائيل، لتديرا شؤون العالم وفق مصالحهما؛ مرةً بحجة منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وتارةً أخرى بذريعة مواجهة قوى الإرهاب، من داعش وأخواتها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تشكيلات داعش وذيولها، وفقًا لما تشير إليه مذكرات وزيرة الخارجية الأمريكية ورئيسها الأسبق، صناعة أمريكية من حيث التمويل والهدف.

















