> زهور السعيدي:
مشغولات السعف تمثل إرثًا تناقلته الأجيال على خطى الأجداد
ويعتمد الأهالي على أجزاء النخلة بشكل واسع، إذ يُستخدم سعفها وجذوعها في تشييد المنازل والأسوار، إلى جانب صناعة الأدوات المنزلية والأثاث، في مشهد يجسد اعتمادًا تاريخيًا على الشجرة لتلبية الاحتياجات اليومية وتأمين المتطلبات الأساسية.
في قرية أبو زهر السياحية بمديرية الخوخة بمحافظة الحديدة والتي يضم ساحلها أعداداً واسعة من أشجار النخيل يؤكد الصياد زهير عبد الغني حناب (40 عامًا)، من أمام منزله المبني من السعف، أن النخلة تمثل المأوى الأساسي ومصدر الرزق الرئيسي الذي لا يمكن للسكان الاستغناء عنه لمواصلة العيش في المنطقة.
مصدر دخل
لا يقتصر حضور النخيل في حياة السكان على استخدامه في البناء، إذ يمتد إلى صناعات وحرف تقليدية توارثتها الأجيال، ولا تزال تمثل مصدر دخل لكثير من الأسر في المناطق الساحلية، فمن سعفه تُصنع منتجات متنوعة تلبي احتياجات الحياة اليومية، في مهنة حافظت على استمراريتها رغم تراجع الإقبال عليها أمام المنتجات الحديثة.
وتضاعفت أهمية الحرف التقليدية مؤخراً مع تفاقم الأزمة الإنسانية والتدهور الاقتصادي والمعيشي الذي يعاني منه كثير من السكان جراء تداعيات الحرب، إذ أدى الصراع إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها، مما دفع الأهالي للتمسك بالصناعات المحلية لتوفير الحد الأدنى من الدخل الذي يساعدهم على مواجهة أعباء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية.
وأوضح حليص أن الحرفة تمثل إرثًا تناقلته الأجيال وما زال يتمسك بها حفاظًا على مهنة الآباء والأجداد، وعلى جزء من الهوية التراثية للمناطق الساحلية.
طابع جمالي
رغم الطابع الجمالي الذي تمنحه بيوت وأسوار النخيل، فإن هشاشتها تجعلها أكثر عرضة للأضرار عند هبوب الرياح الموسمية أو العواصف إذ يقول عدنان السفياني، أحد سكان قرية الوعرة جنوبي الخوخة، في حديثه: كلما ضرب إعصارٌ أو رياحٌ قوية نخسر جزءاً من بيوتنا، لكننا نعيد بناءها لأننا لا نملك أي بدائل أخرى.
وخلال السنوات الماضية، أجبرت الظروف الاقتصادية القاسية الناتجة عن الحرب السكان على اللجوء لبناء بيوت السعف وشراء مستلزماتها، حيث تعجز الغالبية العظمى من الأسر الفقيرة عن تحمل تكاليف مواد البناء الحديثة مثل الإسمنت والحديد، فيغدو السعف الملجأ الوحيد لبناء مأوى يستر العائلات ويوفر لها الحماية.
ولا تقتصر التحديات على الظروف المناخية والأزمات المعيشية، حيث تمتد إلى تراجع الإقبال على الصناعات السعفية أمام المنتجات البلاستيكية، إلى جانب محدودية التسويق وغياب برامج الدعم والتطوير.
ويوضح الباحث في التراث أمين حليص أن استخدام النخيل في البناء والصناعة يعود إلى مئات وربما آلاف السنين في تهامة، حيث ارتبطت حياة الإنسان بالنخلة ارتباطًا وثيقًا، ويضيف: كانت النخلة وما زالت مصدرًا شاملًا للحياة، من الغذاء والسكن إلى الأدوات والدخل.
واقع الإنتاج وفرص الدعم
بحسب بيانات وزارة الزراعة في الاعلام الزراعي والسمكي بلغ إنتاج النخيل في تهامة عام 2021 نحو 19,433 طنا زرعت على مساحة 5,028 هكتارا. وفي عام 2022، وصل إنتاج اليمن من التمور إلى حوالي 27 ألف طن منها ما يقرب من 14 ألف طن من هذه المناطق وحدها مع أكثر من 60 صنفا مختلفا.
ورغم الأهمية، لا تزال الصناعات السعفية تعمل بأساليب تقليدية محدودة دون دعم مؤسسي أو تطوير يفتح لها أبواب الأسواق الأوسع. ويرى حليص أن تطوير الصناعات يتطلب تدريب الحرفيين وتحديث أدوات الإنتاج مع الحفاظ على طابعها التراثي الأصيل، مشيرًا أن الاهتمام بها يمثل خطوة حيوية للحد من الفقر والبطالة التي تفاقمت بفعل السنوات الماضية.
وبين جمال الموروث التراثي وهشاشة البناء أمام المتغيرات المناخية، يظل سعف النخيل شاهداً على تجربة صمود متجذرة، تنتظر دعمًا مؤسسيًا ينقلها من إطار المعالجات المؤقتة إلى آفاق التنمية المستدامة.
"ريف اليمن"














