ليس استدعاء واقعة من السيرة النبوية، في لحظتنا السياسية الراهنة، مجرد استدعاءٍ مجترّ من أدبيات التاريخ أو محاولة لإسقاط الماضي على الحاضر بشغفٍ عاطفي، بل هو تذكيرٌ بصلب الاستراتيجية التي تُدار بها التحالفات وتُصان بها القضايا الكبرى؛ فالنداء النبوي الذي أطلق اسم كل حيّ وكل قبيلة وكل مكون من المهاجرين والأنصار كما في غزوة حُنين، في تلك اللحظة المفصلية التي اختلطت فيها الأوراق وانكشفت فيها الصفوف، لم يكن تكتيكًا استثنائيًا لاستنهاض الحمية الفردية فحسب، بل كان إشهارًا علنيًا بالخريطة العضوية لجيشٍ يُقاتل، وإقرارًا صريحًا بأن القوة التي تصنع الفارق في الميدان إنما تتشكل من هويات جليّة وروافد ذات جذر نضالي لا يجوز دمجها في صيغ فضفاضة أو تذويبها تحت مفردات هلامية. لقد كان ذلك النداء درسًا في أن تسمية الفاعل باسمه ليست مجرد إجراء تعبوي، بل هي تثبيت للهوية المقاتلة وإعلان عن أن الانتصار لا يُصنع إلا حين يُنسب الفضل لأهله.
وحين ننتقل من ذلك الأفق التاريخي إلى مشهد المعركة الراهنة في الجنوب وفي المواجهات المحتدمة في شتى مناطق اليمن ضد المشروع الحوثي السلالي الكهنوتي، يتبدى الخلل الشديد في السياسات الإعلامية والسياسية للشركاء الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية؛ حيث يجري في كثير من الأحيان تحاشي تسمية الأمور بأسمائها الحقة، والمواربة في نسبة الفضل والقتال والتضحية إلى صاحبها الميداني المباشر.
إن ما جرى ويجري على الأرض لم يكن مجرد صراع تقني تُحركه الأوامر الإدارية، بل كان دفاعًا وجوديًا خاضته عقيدة وطنية جنوبية صلبة، ثابتة منذ القدم، حركت النخوة واستدعت المكامن التاريخية للرفض، وسكبت الدماء لتضع حدًّا حاسمًا للتمدد الإيراني؛ ومن هنا فإن تجنب تسمية هذا القتال باسمه، وتجريد الفاعل الجنوبي من هويته السياسية والميدانية، وسرقة إنجازاته ومكتسباته وتضحياته، يشكل خطأً استراتيجيًا لا يخدم مستقبلًا للتحالف ولا يؤسس لسلامٍ مستدام.
إن الاعتراف بالحقائق ليس منة يُسبغها الحليف على حليفه، بل هو ألف باء السياسة العاقلة؛ فالتعامي عن الصبغة الجنوبية الخالصة للمعركة، أو استبدالها بشعارات عامة تُرضي توازنات واهمة، ينشئ شرخًا نكدًا في جدار الثقة، ويُشعر القواعد الميدانية الصامدة بأن ثمة استنزافاً لدماء أبنائها يُصرف في سياقات لا تعبر عن تطلعاتها.














