​التضحيات التي قدمتها الضالع ولحج وأبين وعدن وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، وكل مدينة وقرية قدمت شهداء وجرحى ونازحين، هي رأس مال وطني حقيقي. قيمتها لا تُقاس بحجم الألم، بل بقدرتها على التحول إلى قرار سياسي مستقر، وسلاح موحد، وغطاء إقليمي ودولي يحفظ الحق ويمنع تكرار الغموض.

الحسم في الحالة اليمنية لا يتقرر بالتضحية وحدها، بل بتوفر ثلاثة شروط متلازمة: وحدة القرار السياسي، ووحدة القيادة العسكرية، وغطاء يحوّل التقدم الميداني إلى واقع مستقر، وغياب أي شرط منها يعيد الأمور إلى نقطة البداية.

عسكريًا، جماعة الحوثي منظومة متجذرة في جغرافيا جبلية وعرة، تعتمد الاستنزاف والتعبئة، وليست جيشًا نظاميًا له مركز ثقل واحد، وقواتنا أثبتت قدرة على التحرير والمناورة، لكنها تعاني تعدد القيادات وتضارب الولاءات وغياب قيادة عمليات موحدة، فيتحول النصر المحلي إلى عبء دفاعي جديد.

سياسيًا، الفجوة بين أهداف الحرب هي جوهر المشكلة، فقد دخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015 لاستعادة الشرعية ومنع تحول اليمن إلى منصة تهدد أمنه على حدوده، وهو موقف موثق في قرار مجلس الأمن 2216، ودخلت القوى الجنوبية بذاكرة وهدف مختلفين، وهو استعادة الحق الجنوبي، ولذلك يتوقف التقدم عند خطوط معينة رغم توفر القدرة، لأن التقدم بلا توافق سياسي مسبق ينتج فراغًا يملؤه آخرون.

إقليميًا ودوليًا، الرياض وأبوظبي مركزا قرار مستقلان، فالسعودية راعية الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي واتفاق الرياض 2019، وحسابها الأول هو أمن حدودها ومشاريعها في البحر الأحمر وباب المندب، والإمارات، الداعم الأبرز للمجلس الانتقالي، تريد جنوبًا مستقرًا لمصالحها البحرية واللوجستية، وترفض أي إعلان منفرد يفجر صراعًا مع الشرعية والتحالف والمجتمع الدولي، ودبلوماسيًا أصبح الصراع جزءًا من شبكة تسويات أوسع، من قرار 2216 إلى دور عُمان وواشنطن ولندن عبر ملف الملاحة، وطهران عبر دعمها للحوثي.

قانونيًا واقتصاديًا وجغرافيًا، السيطرة العسكرية وحدها غير كافية، فالموانئ والنفط والغاز تخضع لقوانين وعقود قائمة، وما يُثار من جدل حول إدارة وتطوير موانئ جنوبية، منها عدن والمكلا، بين من يراه استثمارًا ضروريًا ومن يراه مساسًا بالسيادة، هو جدل موثق ولا يُحسم إلا بالقانون والعقود والتسوية السياسية، والحرب أنتجت اقتصاد حرب وطبقات مصالح تستفيد من استمرار الوضع، والموقع على باب المندب يجعل الجنوب نقطة ارتكاز عالمية لا قضية محلية، فالجبال توفر عمقًا دفاعيًا للحوثي، والسواحل الجنوبية مفتوحة وتحتاج إلى دفاع مستمر.

في هذا السياق جاءت عملية فجر اليمن، فقد بدأ في يوليو 2026 تصعيد وصفته الحكومة بأنه الأوسع منذ هدنة أبريل 2022، وأدى إلى نزوح نحو 200 ألف شخص، وفي سبتمبر سيطر الحوثيون على مواقع حيوية، منها مدينة المخا وجزيرة ميون المطلة على مضيق باب المندب.

وفي 5 أكتوبر 2026، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي انطلاق العملية لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء ما تصفه الحكومة والتحالف بالانقلاب، بمشاركة القوات المسلحة وكل التشكيلات العسكرية وبمساندة الأشقاء والأصدقاء، وقد وضعت العملية قرارًا سياسيًا موحدًا باسم الدولة، وأشركت ألوية العمالقة وقوات درع الوطن في قلب المعركة الوطنية، وقدمت إسنادًا جويًا سعوديًا واسعًا ودعمًا إقليميًا جديدًا عبر اجتماع الرياض بين السعودية وباكستان وتركيا لتفعيل بروتوكول اتفاقية الدفاع المشترك في مكة، ودعت القيادة إلى التعبئة العامة عبر القنوات الرسمية، ووعدت بعفو لمن ينسحب من صفوف الحوثيين، وعرضت العملية كمرحلة لاستعادة الدولة لا حربًا على سكان أو مذهب.

المؤشرات المبكرة حتى 12 أكتوبر تؤكد الفرضية، فتقول بيانات القوات الحكومية إنها استعادت معظم مديرية ذباب ومطارها، وقطعت طريق ذباب–المخا، وأعادت السيطرة على المضيق، بينما تتضارب التقارير حول المخا نفسها وينفي الحوثيون أي خسارة، والرد الحوثي على مطار الملك خالد وأبها ورابغ، وفي 10 أكتوبر على صالة مطار الملك خالد، بما أسفر عن مقتل 12 مدنيًا وإصابة أكثر من 300، ووصفه التحالف بأنه انتهاك للقانون الدولي الإنساني، يثبت حساسية العمق السعودي، واستمرار القتال في تعز ومأرب والجوف والساحل يثبت أن الحسم يحتاج إلى أكثر من ضربة أولى.

الموقف الجنوبي في هذا الاختبار واضح وعملي، فالجنوب لا يقاتل تابعًا، بل كشريك صاحب مشروع وقيادة سياسية متمثلة بالمجلس الانتقالي، ويتطلع الجنوبيون إلى استعادة دولتهم عبر حق تقرير المصير، والطريق إلى ذلك مشروع سياسي تفاوضي يحفظ الدماء ويحترم قرار 2216 كإطار مرحلي، ولا يضع الجنوب في مواجهة مع الرياض وأبوظبي والمجتمع الدولي، ومشاركته في فجر اليمن مشروطة وموثقة بقيادة عمليات موحدة، وتمثيل يتناسب مع حجم التضحية في غرفة الحرب وأي سلطة قادمة، وسيطرة أمنية جنوبية على محافظات الجنوب، وحصة عادلة في الموانئ والإيرادات النفطية والغازية وإعادة الإعمار، والجنوب ليس كتلة واحدة متطابقة، فحضرموت لها أولوياتها، وشبوة لها حساباتها الأمنية، والمهرة لها خصوصيتها، وعدن ولحج والضالع وأبين لهن تاريخهن في التضحية المباشرة، ووحدته تُبنى على الحد الأدنى المشترك المتمثل في عدم قبول حسم على حساب الجنوب أو سلام على حساب حقوقه.

وما ورد في رسالة العميد علي منصور مقراط العاجلة إلى الفريق محمود الصبيحي وأبو زرعة المحرمي، كما نشرته صحيفة عدن الخبر نقلًا عن مقاله، يقدم تأكيدًا ميدانيًا لهذا التحليل، فالرسالة تشير إلى أكثر من شهر من المواجهات المتواصلة بمشاركة ألوية العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الجنوبية وقبائل الصبيحة على جبهات الصبيحة وباب المندب وتعز وكرش، مع خسائر بشرية يومية متزايدة، وتشير إلى أن عشرات الألوية التابعة للمنطقة العسكرية الرابعة في عدن ولحج وأبين لا تزال غير مفعلة بسبب نقص الإمكانات اللوجستية والتشغيلية، بحسب ما ورد في المقال، وأن قادة الألوية لم يتسلموا مخصصاتهم التشغيلية منذ أربعة أشهر، بحسب ما ورد فيه أيضًا، وأن ما يصل بعد الخصومات لا يكفي لتغطية الالتزامات، وتدعو إلى تفعيل هذه الوحدات وتسريع توفير الاحتياجات وتقييم الاستجابة ومحاسبة المقصرين وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة، وفي المقابل، تحيّي الرسالة تفاعل محافظ عدن عبدالرحمن شيخ، ومحافظ لحج مراد الحالمي، ومحافظ أبين اللواء مختار الرباش، ومدير المؤسسة الاقتصادية العميد سامي السعيدي، ووزير النقل محسن حيدرة العمري، وجهود الأجهزة الأمنية في عدن في التعامل مع النازحين.

هذه الرسالة هي صرخة من داخل الصف الجنوبي لصالحه، وتؤكد أن القرار السياسي الموحد لا يكتمل دون نظام تجهيز وتمويل موحد، وقيادة عمليات واحدة، وإعلام عسكري موحد، والمطلوب هو التفعيل الفوري لوحدات المنطقة العسكرية الرابعة بتوفير احتياجاتها اللوجستية والتشغيلية، وحل مشكلة تأخر الموازنات ومراجعة آليات الصرف، وفصل المسار الإنساني والخدمي المستحق للثناء عن المسار العسكري الذي يحتاج إلى قرارات ميدانية سريعة، وتوحيد الرواية العسكرية حتى لا يتحول تضارب الأنباء حول ذباب والمخا إلى مصدر إحباط للمقاتل والرأي العام.

الحكم على نجاح فجر اليمن سابق لأوانه، والمهم الآن هو ألا تُضاف التضحيات الجديدة في ذباب والمخا وباب المندب وتعز ومأرب والجوف إلى سجل الغموض، بل أن تُستكمل بمشروع متكامل يجمع قرارًا موحدًا وسلاحًا موحدًا، ورؤية قانونية واقتصادية ودبلوماسية قابلة للتسويق دوليًا، مع ضمانة موثقة للرياض وأبوظبي بحفظ أمن الحدود والملاحة، ومنع عودة الحوثي، وعدم تحويل الساحل إلى ساحة صراع إقليمي جديد، وحفظ وحدة الصف الجنوبي بكل محافظاته ومكوناته، وحماية المدنيين والنازحين وتأمين الملاحة.
حين يتحقق ذلك، تتحول تضحيات فجر اليمن من حدث عسكري عابر إلى أساس لمشروع دولة، ويتحول رأس المال الأخلاقي إلى غطاء إقليمي ودولي يحفظ الحق ويمنع تكرار الغموض.