> حميد عقبي:
سبق أن قدمت عشرات المواد التي تعرض دراسات وأبحاثًا وكتبًا تتناول تراث يهود اليمن وفنونهم ومساهمتهم الثقافية في الثقافة اليمنية. وفي هذه المادة، سوف نقدم مقالة للباحثة أوري شحمون، المنتسبة إلى الجامعة العبرية في القدس، تناولت فيها استعمال يهود اليمن اللغة العبرية والآرامية لإخفاء بعض معاني حديثهم عن الآخرين.
ونُشرت مقالتها بعنوان «العبرية في اللغات السرية: العربية اليهودية اليمنية» سنة 2013، ضمن المجلد الثالث من «موسوعة اللغة العبرية واللسانيات»، الصادر عن دار بريل.
واعتمدت على معاجم ودراسات توثّق كلام يهود اليمن وعاداتهم وعلاقاتهم بجيرانهم المسلمين. وشملت مصادرها أعمال قافح وبيامنتا ورتصابي وبن دافيد.
وفي هذه المقالة، تربط الباحثة اتساع هذا الاستعمال بضغط السلطة أو العنف في المدن، وتنوه بأن العلاقات في بعض القرى كانت أكثر اندماجًا، وتذكر أن الكلام السري فيها اتخذ أحيانًا طابعًا فكاهيًا.
من الأمثلة التي ساقتها عبارة «زرّر فمك»، أو الاكتفاء بكلمة «أزرار»، إشارةً إلى وقف الحديث عند اقتراب مسلم. وهنا تؤدي كلمات عربية مفهومة غرضًا سريًا بفضل معناها المتفق عليه. كذلك، استُعملت كلمة «عبري» بدلًا من «يهودي»، لأن الأخيرة متشابهة في العربية والعبرية، ويسهل فهمها.
وفي الورش والأسواق، ظهرت «لغة الأساطية»، أي معلّمي الحرف. وتورد المقالة لفظًا مأخوذًا من آية معناها «تكشف السماوات إثمه»، للتلميح إلى فعل مشين، مثل أخذ الحرفي بعض مواد زبونه لنفسه. كما تصف طريقة تاجر يهودي من عدن كان يجمع في معاملاته ألفاظًا عربية وعبرية واختصارات ورموزًا حسابية.
وتروي حكاية امرأة من ساقين دخل اللصوص منزلها، فتظاهرت بالصلاة، ونادت بكلام يمزج العربية بالعبرية، تخبر فيه اليهود بمواقعهم حول فراشها. واستُخدمت طرق عديدة داخل الأسرة أيضًا، عندما يتحدث الكبار والزوج مع زوجته بحضور الأطفال.
توضح كل هذه الشواهد كيفية استخدام المعرفة اللغوية في مواقف يومية محددة، وانتقال بعض ألفاظ التعلّم والعبادة إلى البيت والسوق والورش. والمقالة تفتح بابًا بحثيًا ثريًا، كونها قدمت عرضًا موجزًا لأمثلة منقولة، دون إحصاء لانتشارها أو تعميمها على جميع يهود اليمن.
ومن خلال المادة، سنجد أن الباحثة ميّزت بين الكلمات العبرية التي اعتاد يهود اليمن إدخالها في كلامهم العربي تلقائيًا، وتلك التي اختاروها عمدًا لحجب المعنى عن مستمع بعينه لأسباب أمنية.
وهذا التمييز يحدد موضوعها؛ فوجود لفظ عبري في الحديث لا يكفي لاعتباره سريًا. وتتضح وظيفته من الموقف الذي قيل فيه، ومعرفة الحاضرين به، والغرض الذي أراد المتكلم تحقيقه.
في مثال التحذير بلفظ «دحّي»، بمعنى «انجُ بحياتك»، تربط شحمون الاستعمال باقتراب شخص يُخشى منه. لكنها تتحفظ عند تفسير أصل الكلمة، فتذكر احتمال اشتقاقها من لفظ عبري يفيد السقوط والإخفاق، واحتمال صلتها بفعل يمني عربي يعني الجري وراء شخص.
وهكذا، تفصل بين المعنى الذي أدّته الكلمة في الموقف وأصلها اللغوي الذي لا تجزم به إذا لم تكن متأكدة من المعلومات المتاحة. ويمنع هذا التفصيل نسبة كل تعبير مستور إلى العبرية وحدها.
وتعرض مثالًا من قرى الشمال، تذكر فيه مشهدًا لمعلّم التوراة يشير إلى تلاميذه عند مرور زائر مسلم غير مرغوب فيه، فيتركون دراستهم ويرددون آية «لا تُبقِ ساحرة على قيد الحياة»، أو ترجمتها الآرامية، إلى أن يغادر المتطفل.
وتصف الباحثة هذا السلوك ضمن الاستعمال الفكاهي للكلام السري. ويكشف المثال اعتماد التصرف على معرفة مشتركة بين المعلّم والأطفال، وعلى جهل الزائر بمعنى ما يسمعه، دون أن تقدم المقالة دليلًا على مدى انتشار هذه الممارسة.
وتعرض نموذجًا آخر في البيت، عندما تنادي الزوجة زوجها الموجود في ورشته بقولها «اتعليَن»، أي «اصعد»، عند حضور مسلم. وترجّح الباحثة صلة هذا اللفظ بكلمة عبرية تدل على العلو. وتكشف هذه الصيغة انتقال اللفظ إلى استعمال منزلي مباشر، حيث يكفي نداء قصير أو كلمة واحدة فقط لتوجيه الزوج.
وفي حكاية المرأة التي تظاهرت بالصلاة عند دخول اللصوص، توضح إمكان ارتجال جملة كاملة تتناسب مع خطر طارئ، بما يشير إلى وجود ابتكارات وعدم الاكتفاء بصيغ محفوظة ومتداولة.
وتتوقف المقالة عند صناعة الألقاب الانتقاصية بالتشابه الصوتي، فتورد كلمة عبرية هي «محروق» لوصف أحد المتسلطين. وتوثّق أغلب هذه الأمثلة السخرية والتوتر والخوف داخل الكلام المستور، وتبيّن الباحثة أن غرضه قد يشمل جوانب متعددة، منها التحذير وحماية خصوصية الحديث.
وتبرز دقة اختيار الألفاظ عندما تشرح تفضيل «عبري» على «يهودي». فالتشابه بين العربية والعبرية يساعد أحيانًا على ابتكار التسمية، لكنه قد يكشف المقصود أيضًا.
وفي مثال آخر، يتشاجر يهودي ومسلم، فيحث حاضرون صاحبهم على الضرب والصياح معًا، ليبدو كأنه المضروب. وهنا يتجاوز التعبير إخفاء المعنى إلى توجيه تصرف يؤثر في فهم الآخرين للمشهد.
وتوضح الشواهد تفاوت القدرة على الارتجال؛ فالتعبيرات المتداولة كانت تُحفظ وتُكرر، بينما احتاج تأليف عبارات جديدة إلى معرفة أوسع باللغة. وتنسب الباحثة هذه المرونة إلى تمكن يهود اليمن من العبرية.
وتتمثل إضافة المقالة في أنها جمعت شواهد متفرقة من المعاجم ووصف الحياة الاجتماعية، وربطتها بوظائف واضحة في التعليم والعمل والمنزل والسوق. غير أنها لا تقيس شيوع هذه الألفاظ، ولا تؤرخ لكل تعبير أو تبحث عن جذره؛ ولذلك، تتيح لنا هذه المقالة القصيرة فهم طرق استعمال تلك الألفاظ والتعابير أكثر مما تتيح رسم تاريخ شامل لهذه العادة.
ومن المهم أن نشير إلى وجود عشرات المراكز البحثية العبرية والعالمية التي راكمت الكثير من الدراسات، وتعقد عدة مؤتمرات سنوية تتناول جوانب متعددة من تاريخ يهود اليمن وتراثهم وأدبهم، وعلاقتهم باللغة العربية والمجتمع المسلم. وكلما تعمقنا في هذه الأبحاث، ظهرت تفاصيل وأسئلة جديدة عن تاريخ يمني يستحق أن نقرأه بمعرفة أوسع وعناية أكبر، دون أن نفصل الطائفة اليهودية عن هويتها اليمنية.
*كاتب ومخرج سينمائي يمني
عن العرب اللندنية
ونُشرت مقالتها بعنوان «العبرية في اللغات السرية: العربية اليهودية اليمنية» سنة 2013، ضمن المجلد الثالث من «موسوعة اللغة العبرية واللسانيات»، الصادر عن دار بريل.
واعتمدت على معاجم ودراسات توثّق كلام يهود اليمن وعاداتهم وعلاقاتهم بجيرانهم المسلمين. وشملت مصادرها أعمال قافح وبيامنتا ورتصابي وبن دافيد.
- ألفاظ للفكاهة والتحذير
وفي هذه المقالة، تربط الباحثة اتساع هذا الاستعمال بضغط السلطة أو العنف في المدن، وتنوه بأن العلاقات في بعض القرى كانت أكثر اندماجًا، وتذكر أن الكلام السري فيها اتخذ أحيانًا طابعًا فكاهيًا.
من الأمثلة التي ساقتها عبارة «زرّر فمك»، أو الاكتفاء بكلمة «أزرار»، إشارةً إلى وقف الحديث عند اقتراب مسلم. وهنا تؤدي كلمات عربية مفهومة غرضًا سريًا بفضل معناها المتفق عليه. كذلك، استُعملت كلمة «عبري» بدلًا من «يهودي»، لأن الأخيرة متشابهة في العربية والعبرية، ويسهل فهمها.
وفي الورش والأسواق، ظهرت «لغة الأساطية»، أي معلّمي الحرف. وتورد المقالة لفظًا مأخوذًا من آية معناها «تكشف السماوات إثمه»، للتلميح إلى فعل مشين، مثل أخذ الحرفي بعض مواد زبونه لنفسه. كما تصف طريقة تاجر يهودي من عدن كان يجمع في معاملاته ألفاظًا عربية وعبرية واختصارات ورموزًا حسابية.
وتروي حكاية امرأة من ساقين دخل اللصوص منزلها، فتظاهرت بالصلاة، ونادت بكلام يمزج العربية بالعبرية، تخبر فيه اليهود بمواقعهم حول فراشها. واستُخدمت طرق عديدة داخل الأسرة أيضًا، عندما يتحدث الكبار والزوج مع زوجته بحضور الأطفال.
توضح كل هذه الشواهد كيفية استخدام المعرفة اللغوية في مواقف يومية محددة، وانتقال بعض ألفاظ التعلّم والعبادة إلى البيت والسوق والورش. والمقالة تفتح بابًا بحثيًا ثريًا، كونها قدمت عرضًا موجزًا لأمثلة منقولة، دون إحصاء لانتشارها أو تعميمها على جميع يهود اليمن.
ومن خلال المادة، سنجد أن الباحثة ميّزت بين الكلمات العبرية التي اعتاد يهود اليمن إدخالها في كلامهم العربي تلقائيًا، وتلك التي اختاروها عمدًا لحجب المعنى عن مستمع بعينه لأسباب أمنية.
وهذا التمييز يحدد موضوعها؛ فوجود لفظ عبري في الحديث لا يكفي لاعتباره سريًا. وتتضح وظيفته من الموقف الذي قيل فيه، ومعرفة الحاضرين به، والغرض الذي أراد المتكلم تحقيقه.
في مثال التحذير بلفظ «دحّي»، بمعنى «انجُ بحياتك»، تربط شحمون الاستعمال باقتراب شخص يُخشى منه. لكنها تتحفظ عند تفسير أصل الكلمة، فتذكر احتمال اشتقاقها من لفظ عبري يفيد السقوط والإخفاق، واحتمال صلتها بفعل يمني عربي يعني الجري وراء شخص.
وهكذا، تفصل بين المعنى الذي أدّته الكلمة في الموقف وأصلها اللغوي الذي لا تجزم به إذا لم تكن متأكدة من المعلومات المتاحة. ويمنع هذا التفصيل نسبة كل تعبير مستور إلى العبرية وحدها.
وتعرض مثالًا من قرى الشمال، تذكر فيه مشهدًا لمعلّم التوراة يشير إلى تلاميذه عند مرور زائر مسلم غير مرغوب فيه، فيتركون دراستهم ويرددون آية «لا تُبقِ ساحرة على قيد الحياة»، أو ترجمتها الآرامية، إلى أن يغادر المتطفل.
وتصف الباحثة هذا السلوك ضمن الاستعمال الفكاهي للكلام السري. ويكشف المثال اعتماد التصرف على معرفة مشتركة بين المعلّم والأطفال، وعلى جهل الزائر بمعنى ما يسمعه، دون أن تقدم المقالة دليلًا على مدى انتشار هذه الممارسة.
وتعرض نموذجًا آخر في البيت، عندما تنادي الزوجة زوجها الموجود في ورشته بقولها «اتعليَن»، أي «اصعد»، عند حضور مسلم. وترجّح الباحثة صلة هذا اللفظ بكلمة عبرية تدل على العلو. وتكشف هذه الصيغة انتقال اللفظ إلى استعمال منزلي مباشر، حيث يكفي نداء قصير أو كلمة واحدة فقط لتوجيه الزوج.
وفي حكاية المرأة التي تظاهرت بالصلاة عند دخول اللصوص، توضح إمكان ارتجال جملة كاملة تتناسب مع خطر طارئ، بما يشير إلى وجود ابتكارات وعدم الاكتفاء بصيغ محفوظة ومتداولة.
وتتوقف المقالة عند صناعة الألقاب الانتقاصية بالتشابه الصوتي، فتورد كلمة عبرية هي «محروق» لوصف أحد المتسلطين. وتوثّق أغلب هذه الأمثلة السخرية والتوتر والخوف داخل الكلام المستور، وتبيّن الباحثة أن غرضه قد يشمل جوانب متعددة، منها التحذير وحماية خصوصية الحديث.
وتبرز دقة اختيار الألفاظ عندما تشرح تفضيل «عبري» على «يهودي». فالتشابه بين العربية والعبرية يساعد أحيانًا على ابتكار التسمية، لكنه قد يكشف المقصود أيضًا.
وفي مثال آخر، يتشاجر يهودي ومسلم، فيحث حاضرون صاحبهم على الضرب والصياح معًا، ليبدو كأنه المضروب. وهنا يتجاوز التعبير إخفاء المعنى إلى توجيه تصرف يؤثر في فهم الآخرين للمشهد.
وتوضح الشواهد تفاوت القدرة على الارتجال؛ فالتعبيرات المتداولة كانت تُحفظ وتُكرر، بينما احتاج تأليف عبارات جديدة إلى معرفة أوسع باللغة. وتنسب الباحثة هذه المرونة إلى تمكن يهود اليمن من العبرية.
- حياة نجهلها
وتتمثل إضافة المقالة في أنها جمعت شواهد متفرقة من المعاجم ووصف الحياة الاجتماعية، وربطتها بوظائف واضحة في التعليم والعمل والمنزل والسوق. غير أنها لا تقيس شيوع هذه الألفاظ، ولا تؤرخ لكل تعبير أو تبحث عن جذره؛ ولذلك، تتيح لنا هذه المقالة القصيرة فهم طرق استعمال تلك الألفاظ والتعابير أكثر مما تتيح رسم تاريخ شامل لهذه العادة.
تكشف هذه المادة مقدار ما نجهله عن تفاصيل الحياة اليهودية في اليمن. فما تزال مئات الموضوعات، من اللغة والتعليم إلى العمل والعلاقات اليومية، تنتظر اهتمامًا جادًا من الباحثين اليمنيين والعرب.
ويظهر قصور بعض الكتابات في اختزال حياة يهود اليمن في الملبس وعادات قليلة، وضعف الرجوع إلى مصادرها ومقارنة شهاداتها.
ومن المهم أن نشير إلى وجود عشرات المراكز البحثية العبرية والعالمية التي راكمت الكثير من الدراسات، وتعقد عدة مؤتمرات سنوية تتناول جوانب متعددة من تاريخ يهود اليمن وتراثهم وأدبهم، وعلاقتهم باللغة العربية والمجتمع المسلم. وكلما تعمقنا في هذه الأبحاث، ظهرت تفاصيل وأسئلة جديدة عن تاريخ يمني يستحق أن نقرأه بمعرفة أوسع وعناية أكبر، دون أن نفصل الطائفة اليهودية عن هويتها اليمنية.
*كاتب ومخرج سينمائي يمني
عن العرب اللندنية











