> جمال شنيتر:
تحتل جبهة الصبيحة، الواقعة غرب محافظة لحج وسط اليمن، أهمية خاصة في المشهد العسكري، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وطبيعة تضاريسها وامتدادها نحو المناطق الساحلية القريبة من مضيق باب المندب. ومع استمرار المواجهات على جبهات غرب اليمن، تبرز الصبيحة بوصفها إحدى المناطق التي تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع العوامل الجغرافية والاجتماعية والقبلية.
جغرافيا المعركة
تتميز مناطق الصبيحة بتنوع تضاريسها، من المرتفعات والوديان إلى المناطق الساحلية والطرق التي تربط التجمعات السكانية بعضها ببعض. وتؤثر هذه الطبيعة في حركة القوات، وقدرتها على الانتشار والإمداد، وتجعل معرفة المسالك المحلية عاملاً مهماً في إدارة المواجهات.
وتكتسب المرتفعات أهمية ميدانية في مثل هذه البيئات، لما يمكن أن توفره من قدرة على مراقبة التحركات والتحكم في بعض الطرق والممرات، وفي المقابل، قد تشكل المسالك الوعرة عائقاً أمام القوات التي لا تمتلك معرفة كافية بطبيعة المنطقة.
وتزداد أهمية هذه الاعتبارات بالنظر إلى قرب الصبيحة من الساحل الغربي وباب المندب، وهي منطقة ذات قيمة إستراتيجية بسبب موقعها على خطوط الاتصال والحركة البحرية والبرية ومع ذلك، فإن أهمية الموقع الجغرافي لا تعني بالضرورة أن كل تطور عسكري محلي يفضي إلى تغيير واسع في موازين القوى، إذ يظل ذلك مرتبطاً بالوقائع الميدانية وقدرة الأطراف على تثبيت مواقعها وتأمين خطوط الإمداد.
وفي حديثه يصف العميد الحالمي المواجهات بأنها معركة مستمرة تشهد حالات من الكر والفر بين الحوثيين والقوات المناهضة لهم، وفي مقدمتها ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، إلى جانب مقاتلين من أبناء قبائل الصبيحة.
ويقول الحالمي إن أبناء القبائل يشكلون، بحسب تقديره، سياجاً محلياً واسعاً للدفاع عن المنطقة، مستندين إلى معرفتهم بتضاريسها ومسالكها، وإلى الروابط الاجتماعية التي تسهم في حشد المقاتلين عند تصاعد المواجهات.
ويشير إلى أن عدداً من أبناء الصبيحة شاركوا في معارك عنيفة بالمناطق القريبة من الساحل، في سياق المواجهات التي شهدتها جبهتا المخا وذُباب ومناطق أخرى على امتداد الساحل الغربي، ويرى أن هذه المشاركة تعكس حضور العامل المحلي في المواجهة، إلى جانب دور التشكيلات العسكرية المنظمة.
القبيلة كدفاع محلي
يمثل العامل القبلي أحد العناصر المؤثرة في المشهد الأمني والعسكري بالصبيحة، فمعرفة السكان بطبيعة الأرض، وقدرتهم على التحرك في المسالك المحلية، وشبكات التواصل الاجتماعي، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في طبيعة المواجهة، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها القرى والمرتفعات مع خطوط التماس.
ويشدد الحالمي على أهمية الاصطفاف القبلي في مواجهة محاولات التوغل، معتبراً أن تضامن أبناء المنطقة يعزز القدرة على الدفاع عنها. ويستحضر في هذا السياق المقولة الشائعة "الأرض تحارب مع أهلها"، في إشارة إلى أن معرفة المقاتلين المحليين بتفاصيل جغرافيتهم قد تمنحهم مزايا ميدانية في مواجهة القوات القادمة من خارج المنطقة.
التكتيك العسكري والألغام
ويلفت الحالمي إلى أن القوات المناهضة للحوثيين استخدمت أساليب ميدانية وتكتيكية للتعامل مع طبيعة المواجهات، واصفًا بعض التحركات بأنها نوع من "الخداع العسكري التكتيكي"، ويعكس هذا الوصف تقديره لأهمية المناورة وتغيير أساليب التحرك وفق ظروف الأرض وتطورات المعركة.
وفي المقابل، يتحدث عن لجوء الحوثيين إلى زرع مساحات من الأراضي بالألغام، مما قد يضيف تحديات أمام حركة القوات والمدنيين على حد سواء، وتمثل الألغام والذخائر غير المنفجرة خطرًا طويل الأمد في مناطق النزاع، إذ يمكن أن تستمر آثارها حتى بعد توقف القتال أو ابتعاد خطوط المواجهة.
المرتفعات وخطوط الإمداد
تمثل المرتفعات أحد مفاتيح المعركة في الصبيحة، لما لها من أهمية في مراقبة التحركات والتحكم في بعض الطرق، ووعورة الأرض أسهمت في توفير مواقع دفاعية للمقاتلين المحليين، وجعلت التقدم في بعض المناطق أكثر صعوبة.
ويشير المتخصص العسكري إلى أهمية التنسيق بين ألوية العمالقة وقوات درع الوطن ومكونات الإسناد الجنوبية والقوات النظامية التابعة للشرعية. ومن وجهة نظره، فإن تكامل الأدوار بين هذه القوات والمقاتلين المحليين يعزز فرص الدفاع عن المنطقة، لا سيما عندما تتزامن الجهود العسكرية مع معرفة أبناء القبائل بتفاصيل الأرض.
وتكتسب خطوط الإمداد أهمية خاصة في هذا السياق، فالتقدم الميداني لا يرتبط بالوصول إلى موقع جديد وحسب، بل بقدرة القوات على تأمينه والحفاظ على الاتصال بمصادر الإمداد، ولهذا، فإن الطرق والممرات والمرتفعات المحيطة بها قد تصبح مواضع تنافس رئيسة خلال المواجهات.
لا يمكن قراءة التطورات في الصبيحة بمعزل عن المشهد العسكري الأوسع في غرب اليمن، حيث تتداخل جبهات لحج وتعز والساحل الغربي في سياق جغرافي متصل، وإن اختلفت ظروف المواجهة من محور إلى آخر.
ويمنح القرب من باب المندب المنطقة أهمية إضافية، نظرًا إلى حساسية الممرات البرية والساحلية المحيطة به، وتظل القدرة على تثبيت المواقع وتأمين الطرق والإمداد من العوامل الأساسية التي تحدد قيمة أي تقدم عسكري، والتقديرات في شأن المرحلة المقبلة تبقى مرتبطة بما يجري على الأرض، وبالتحركات التي يمكن التحقق منها، وليس بمجرد إعلان طرف من أطراف النزاع تحقيق مكاسب، إلى جانب الحسابات العسكرية، تفرض المواجهات أخطارًا على السكان في المناطق القريبة من خطوط التماس، وقد تشمل هذه الأخطار صعوبة التنقل، وتعطل الوصول إلى الخدمات، والأخطار الناجمة عن الألغام والذخائر غير المنفجرة.
"اندبندنت عربية"









