> «الأيام» اندبندنت عربية:
حين نزل المهاجرون اليمنيون من سلالم الطائرات إلى إسرائيل في أواخر أربعينيات القرن الماضي، لم تكن حقائبهم تحوي سوى بضع قطع من الفضة المأثورة ومخطوطات قديمة. كانوا أفراد عائلات بسيطة قطعت جبال اليمن وصحاريه على أقدامهم، تدفعهم عقيدة دينية قديمة نحو وعود بـ«أرض الميعاد»، وسط تخيلات بأن نهاية التعب ستكون استراحة في بيوت تشبه بيوتهم التي خرجوا منها. لكن الواقع الذي استقبلهم في دولة الولادة كان مختلفًا تمامًا، فقد وجدوا أنفسهم أرقامًا في مشروع استيطاني يقوده أشكناز (يهود تعود جذورهم التاريخية إلى وسط وشمال أوروبا) ذوو ثقافة غربية متفوقة، لتبدأ رحلة طويلة من الصدمات في مخيمات الطين والصفيح.
صهر القوميات
وعندما وطئت أقدام «الحداء» (كما يُطلق على يهود اليمن) الأرض، اصطدموا بواقع أيديولوجي قاسٍ ترأسه أول رئيس وزراء لإسرائيل، ديفيد بن غوريون. كانت السياسة الرسمية لإسرائيل حينها هي «بوتقة الانصهار»، وهي سياسة تهدف إلى محو الهويات المحلية للمهاجرين وصهرهم في قالب «الإسرائيلي الجديد» (عبراني علماني، غربي). وجرى إسكان المهاجرين في مخيمات انتقالية (المعبروت) افتقرت إلى أدنى مقومات الحياة.
وهناك، تعرض التراث الديني والاجتماعي لليمنيين لهجمة شرسة، بدأت بتعامل المؤسسة الحاكمة مع يهود اليمن بنظرة «أبوية استعلائية»، فاقتُطعت جدائل شعر الأطفال (الزنار) قسرًا في المدارس لإبعادهم عن التدين. وجرى توجيههم نحو العمالة غير الماهرة والمناطق الحدودية والبلدات النائية في الجنوب والشمال، ليكونوا خط الدفاع الأول والديموغرافي للدولة، بينما احتكر الأشكناز مناصب الإدارة والشركات والمؤسسات.
وتُعد قضية اختفاء أطفال اليمن والشرق والبلقان بين عامي 1948 و1954 من أبشع وأعقد الملفات الاجتماعية والسياسية في تاريخ إسرائيل. والسيناريو الذي تكرر في مئات العائلات كان واحدًا: يُنقل الطفل الرضيع إلى مستشفى المخيم أو المدينة بسبب مرض بسيط، وبعد أيام تُبلغ الإدارة الأهل بأنه «توفي ودُفن»، من دون إظهار جثة، ومن دون شهادة وفاة أو العثور على قبر.
واتهمت العائلات اليمنية والنشطاء المؤسسة الطبية والاجتماعية الأشكنازية بإنشاء شبكة لتبني الأطفال سرًا وتسليمهم إلى عائلات أشكنازية أو إرسالهم إلى الخارج. وأمام الضغط الشعبي المتواصل، شكلت الحكومة الإسرائيلية ثلاث لجان تحقيق متعاقبة: لجنة بهلول – نيفو (1967)، ولجنة شلغي (1988)، ولجنة «كدمي» الحكومية (1995–2001)، التي فحصت 1033 حالة اختفاء، وأقرت بوفاة 972 طفلًا، وعدّت 56 طفلًا «مجهولي المصير»، وثبت لديها تبني 5 أطفال سرًا من دون موافقة ذويهم.
مركز القرار
لم يستسلم يهود اليمن للواقع المفروض عليهم، بل تحولت مرارتهم من سياسات «حزب العمال» اليساري الحاكم إلى قوة انتخابية ضاربة غيّرت الخريطة السياسية في إسرائيل. فخلال ثورة عام 1977، شكّل يهود اليمن، إلى جانب بقية اليهود الشرقيين (المزراحيم)، الكتلة الصلبة التي قادت رئيس حزب الليكود، مناحيم بيغن، إلى السلطة عام 1977، منهية عقودًا من احتكار اليسار للحكم.
تأثير ثقافي
وإذا كانت النخبة الأشكنازية قد كسبت السياسة والاقتصاد في بداية نشأة إسرائيل، فإن يهود اليمن تمكنوا عبر الزمن من التأثير عميقًا في الثقافة الإسرائيلية، ليحولوا تراثهم من فلكلور هامشي إلى جزء رئيس من الهوية العامة.
وشكّل النغم اليمني اللبنة الأولى لما يُعرف اليوم بـ«الموسيقى الشرقية» (الموستاخيت)، التي نقلت الإيقاعات التراثية والقرع على الأواني الفلزية إلى استوديوهات حديثة. وقد تحولت عوفرة حازة إلى أسطورة موسيقية عالمية، ونقلت أغاني اليمن التراثية إلى المسارح الدولية. كذلك نجحت فرقة A-WA اليمنية الشابة، التي أعادت إحياء الغناء النسائي اليمني بالعربية، في نيل ملايين المشاهدات.
واقتحم المطبخ اليمني كذلك الشارع العام والمطاعم، وأصبحت مخبوزات مثل الملاوح والجحنون (الذي يُطهى ليلة السبت) منتجات شعبية تُباع في المتاجر. وأصبحت صلصة «السحوق» الحارة وتوابل «الحوائج» و«غموس الحلبة» عناصر أساسية في المطبخ الإسرائيلي اليومي.
وعلى الرغم من الاندماج الشامل، تبرز في الواقع الإسرائيلي مفارقات اجتماعية وأمنية ناتجة من المظهر والوراثة. فالبشرة السمراء التي يتميز بها يهود اليمن وملامحهم العربية القريبة جدًا من سكان الجزيرة العربية تسببت، في أوقات التصعيد الأمني والحروب، في معاناة الشباب من أصل يمني في الأماكن العامة ومحطات القطار والحواجز الأمنية، إذ تتعامل معهم الشرطة الإسرائيلية وعناصر الأمن أحيانًا بوصفهم «فلسطينيين مشتبهًا فيهم». وسُجلت حالات تعرض فيها مواطنون يمنيون للاعتداء أو التوقيف القاسي عن طريق الخطأ لمجرد ملامحهم.
نسيج عام
إن حكاية يهود اليمن في إسرائيل تعكس تجربة استيطانية واجتماعية معقدة، فقد بدأت بنقلهم لخدمة أهداف ديموغرافية وسياسية للدولة الحديثة، ثم مروا بمراحل قاسية من التهميش الثقافي والتمييز الطبقي، وصولًا إلى ملفات حساسة كقضية الأطفال المفقودين.








