إن تكرار الاعتداءات الحوثية على مطار عدن المدني ليس مجرد عمل عسكري عابر، ولا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة منفصلة عن طبيعة المشروع الذي تمثله هذه المليشيات، بل هو سلوك عدواني يكشف عن عقلية لا تقيم وزنًا لحياة الإنسان، ولا تحترم حق المدنيين في التنقل، ولا تدرك أن المطارات المدنية والمرافق الحيوية وجدت لخدمة الشعوب، لا لتكون أهدافًا لصراعات القوى والجماعات المسلحة.
إن مطار عدن ليس منشأة تخص طرفًا سياسيًا بعينه، ولا مرفقًا حكرًا على أبناء الجنوب، بل هو شريان مدني وإنساني يقصده اليمنيون من مختلف المحافظات، شمالًا وجنوبًا، للسفر والعلاج والدراسة والعمل، وللالتقاء بأسرهم وذويهم في الداخل والخارج. ومن هنا، فإن الاعتداء عليه لا يستهدف عدن وحدها، ولا يقتصر ضرره على أبناء الجنوب، وإنما يمتد إلى كل مواطن يمني يحتاج إلى هذا المرفق، وإلى كل أسرة تتعلق آمالها برحلة آمنة، أو فرصة علاج، أو عودة إلى الوطن.
إن استهداف المطارات المدنية والمرافق التي يستخدمها السكان لأغراض مدنية يثير مخاوف قانونية وإنسانية بالغة، ويجب أن يخضع لتحقيق جاد ومستقل، وأن يُحاسب المسؤولون عنه وفقًا للقانون. فلا يمكن تبرير تعريض المدنيين للخطر بذريعة الخصومة السياسية أو الحسابات العسكرية، ولا يمكن لأي جماعة مسلحة أن تمنح نفسها حق تحويل حياة المواطنين إلى رهائن لمشروعاتها وصراعاتها.
والأخطر من الاعتداء ذاته أن هذا السلوك يكشف عن مأزق سياسي وأخلاقي تعيشه المليشيات الحوثية؛ فبدلًا من مراجعة سياساتها والانخراط في مسار ينهي الحرب ويخفف معاناة اليمنيين، تمضي في خيارات تصنع مزيدًا من الخوف والعداء، وتغلق الأبواب أمام أي فرصة لاستعادة الثقة بينها وبين المجتمع. إنها بذلك لا تثبت قوتها، بل تكشف عن عجزها عن تقديم مشروع وطني جامع يستطيع أن يكسب احترام الناس أو يضمن لهم الحد الأدنى من الأمن والاستقرار.
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الحوثيون أن اليمنيين ليسوا كتلة صامتة يمكن إخضاعها إلى ما لا نهاية، وأن المجتمع الذي أنهكته الحروب لن يقبل أن تستمر حياته رهينة لقرارات جماعة تضع حساباتها الخاصة فوق مصالح الوطن. فكل اعتداء على مرفق مدني، وكل تهديد لحياة المسافرين، وكل تعطيل لمصالح المواطنين، يوسع الهوة بين هذه المليشيات والبيئة الاجتماعية التي تزعم تمثيلها أو الدفاع عنها.
ومن الخطأ الاستراتيجي الاعتقاد أن إخافة المدنيين أو الضغط على المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين سيؤديان إلى إخضاعها سياسيًا. فالتجربة تثبت أن استخدام القوة ضد المجتمع لا يصنع شرعية، وأن الاعتداءات التي تمس حياة الناس واحتياجاتهم اليومية تتحول إلى عوامل إضافية لتآكل القبول الشعبي، وتدفع قطاعات أوسع إلى رفض هذا النهج ومقاومته سياسيًا ومجتمعيًا.
كما أن على القوى اليمنية، شمالًا وجنوبًا، أن تدرك أن حماية المنشآت المدنية ليست قضية مناطقية، ولا ينبغي أن تتحول إلى مادة للمزايدات أو الانقسامات. فالمطار الذي يخدم أبناء عدن يخدم أيضًا أبناء صنعاء وتعز والحديدة وحضرموت وسائر المحافظات، وأمن المدنيين مصلحة مشتركة لا يجوز إخضاعها للحسابات الحزبية أو الصراعات السياسية. إن التضامن في مواجهة الاعتداءات على المرافق المدنية موقف وطني وإنساني يتجاوز الانتماءات والاختلافات.
وفي المقابل، تقع على عاتق الجهات المعنية مسؤولية اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المطارات والمرافق الحيوية، وتعزيز أمن المسافرين، وتوثيق الاعتداءات والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها، والعمل مع الجهات الدولية المختصة لضمان احترام قواعد حماية المدنيين والمنشآت المدنية.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الحروب، بل إلى مشروع ينهيها، ولا يحتاج إلى جماعات توسع دائرة الخوف، بل إلى مؤسسات تحمي المواطن وتصون كرامته. وإذا كانت المليشيات الحوثية تعتقد أن الاعتداء على مطار عدن سيحقق لها مكسبًا سياسيًا أو عسكريًا، فإنها تخطئ قراءة المجتمع اليمني؛ لأن الشعوب قد تتحمل الأزمات، لكنها لا تنسى من عرّض حياتها وأمنها ومستقبل أبنائها للخطر.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي - عدن














