الخميس, 11 يونيو 2026
64
منذ مئات السنين، تناقلت الأجيال مثلًا عربيًا بليغًا يقول: «ثبّت العرش ثم انقش».
وربما لم يكن أسلافنا يدركون أن هذه الكلمات القليلة ستبقى صالحة لكل زمان، لأنها تعبر عن سنة من سنن الحياة لا تتغير: فالنقش الجميل لا يسبق تثبيت العرش، والزينة لا تسبق البناء، والثمار لا تأتي قبل غرس الجذور ورعايتها.
واليوم، ونحن ننظر إلى واقع مدننا العزيزة؛ عدن والمكلا وسقطرى، ندرك أكثر من أي وقت مضى عمق هذه الحكمة القديمة. ففي زمن التحديات الاقتصادية، والضغوط المعيشية، والتحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، قد ينشغل البعض بالبحث عن الحلول السريعة أو النتائج الفورية، بينما تعلمنا التجارب أن البناء الحقيقي يبدأ من مكان آخر؛ يبدأ من الإنسان نفسه، ومن الأسرة التي ينتمي إليها، ومن القيم التي يحملها في قلبه وعقله.
لقد مرت الأمم والشعوب عبر التاريخ بأزمات أشد مما نمر به اليوم، لكن الذي حفظها لم يكن المال وحده، ولا المشاريع وحدها، بل قوة نسيجها الاجتماعي، وتماسك أسرها، وقدرتها على الحفاظ على وحدتها الداخلية وسط العواصف.
إن المدن لا تُبنى بالإسمنت والحجارة فقط، بل تُبنى قبل ذلك بالثقة، والأمانة، وروح التعاون، والاحترام المتبادل، والشعور بالمسؤولية تجاه الصالح العام. وهذه القيم لا تنشأ في المؤسسات أولًا، بل تولد في البيوت.
فالأسرة هي العرش الأول للمجتمع ففي الأسرة يتعلم الطفل كيف يحترم الآخر، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يتعامل بأمانة مع موارد البلاد، وكيف يواجه الصعوبات دون أن يفقد الأمل. وفي الأسرة تتشكل القيم التي ستظهر لاحقًا في المدرسة، ومكان العمل، والشارع، والمؤسسات، وكل ميادين الحياة.
وإذا كانت عدن اليوم تبحث عن مزيد من الاستقرار والعيش الكريم، وإذا كانت المكلا تتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهارًا، وإذا كانت سقطرى تحرص على حماية خصوصيتها الإنسانية والثقافية والبيئية الفريدة، فإن الطريق إلى ذلك كله يبدأ من الأسرة.
يبدأ عندما يصبح البيت مساحة للمحبة بدلًا من النزاع، وللحوار بدلًا من القطيعة، وللتربية الواعية بدلًا من الإهمال. يبدأ عندما يدرك الآباء والأمهات أن أعظم استثمار ليس فيما نملكه من أموال، بل فيما نغرسه من قيم في نفوس أبنائنا.
إن الطفل الذي يتعلم الصدق اليوم، سيبني مؤسسة نزيهة غدًا. والطفلة التي تنشأ على الأمانة و احترام الإنسان وخدمة المجتمع، ستصبح عنصرًا فاعلًا في نهضة وطنها. والشاب الذي يتربى على التعاون والتسامح سيكون جسرًا للوحدة لا أداةً للفرقة.
لهذا فإن المرحلة التي نعيشها اليوم هي، في حقيقتها، مرحلة تثبيت العرش. مرحلة ترسيخ القيم، وتقوية الروابط الأسرية، وتعزيز روح المواطنة، وبناء الثقة بين أفراد المجتمع. أما النقش فسيأتي لاحقًا في صورة تنمية وازدهار واستقرار وتقدم ثقافي واجتماعي واقتصادي.
إن أجمل النقوش التي يمكن أن تزين وجه عدن أو المكلا أو سقطرى ليست تلك التي تُحفر على الجدران، بل تلك التي تُنقش في القلوب؛ قيم الصدق والأمانة والإيثار والمحبة والوحدة والخدمة والصدق والأمل.
وعندما يثبت العرش في الأسرة، ويترسخ في المجتمع، سيأتي يوم تنظر فيه الأجيال القادمة إلى ما تحقق فتراه نقشًا بديعًا صنعته أيادٍ مؤمنة بالبناء الهادئ والصبر الطويل والعمل المخلص.
فالنقش يلفت الأنظار، أما العرش فهو الذي يحفظه.
والثمار تُفرح الناس، أما الجذور فهي التي تبقي الشجرة حيّة.
ولذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست البحث عن أجمل نقش، بل العمل معًا على تثبيت العرش؛ أن تتعامل كل أسرة مع موارد البلاد بأمانة و تقديم الخير للجميع لأن مستقبل مدننا، ووحدة مجتمعنا، وازدهار وطننا، يبدأ من هنا ، "فثبّتوا العرش" في كل بيت، ورسّخوا فيه دعائم المحبة والوحدة والتربية الصالحة، حتى تظهر نقوشه الجميلة على أرض المجتمع أخلاقًا وسلوكًا وتماسكًا. فما المجتمع إلا مرآة لأسرِه، وما يُرى من جمالٍ في ساحاته إنما يُنقش أولًا في دفء البيوت. فإذا صلح الأساس أشرق البنيان.
ودمتم سالمين.