الثلاثاء, 16 يونيو 2026
110
من أكثر ما يثقل وجدان المواطن العربي اليوم ليس فقط مشهد الحروب المتكررة، بل معادلة الخسارة غير المتكافئة التي تفرض نفسها على الواقع السياسي والاقتصادي في المنطقة. فبينما تُخاض الحروب بأدوات دولية وإقليمية معقدة، يبدو أن كلفتها النهائية تستقر في جيوب دول بعينها، وعلى رأسها دول الخليج، التي تجد نفسها في موقع الممول المباشر أو غير المباشر لصراعات لم تكن صانعة قرارها الأول.
إن ما يجري في المنطقة يكشف عن نمط متكرر: صراع تُديره قوى كبرى أو تحركه حسابات استراتيجية معقدة، ثم تتحمل دول الخليج الجزء الأكبر من تكاليفه، سواء عبر صفقات السلاح، أو عبر إعادة الإعمار، أو حتى من خلال الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالاستقرار والاستثمار. وفي الحالة الإيرانية، يبدو المشهد أكثر وضوحًا، حيث يُطرح السؤال بمرارة: هل سيدفع الخليج ثمن الحرب، ثم يدفع لاحقًا ثمن إعادة إعمار الخصم ذاته؟
هذا التناقض يعكس خللًا عميقًا في ميزان المصالح، ويطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الاستمرار في هذه الدائرة المغلقة من الاستنزاف المالي والسياسي. فالأموال التي تُنفق في مسارات الصراع كان يمكن أن تتحول إلى أدوات استقرار وتنمية داخل الإقليم نفسه، لو أُعيد توجيهها ضمن رؤية استراتيجية مختلفة.
وفي قلب هذا المشهد تقف اليمن، البلد الأقرب جغرافيًا وإنسانيًا لدول الخليج، والأكثر استحقاقًا لأي جهد تنموي أو إنساني. اليمن ليس مجرد جار، بل عمق اجتماعي وثقافي وتاريخي، وكان يمكن أن يكون نموذجًا للتكامل الإقليمي بدل أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوح. ومع ذلك، فإن المأساة اليمنية تستمر، حيث دُمّرت صنعاء، وتُستنزف عدن، ويُدفع المجتمع نحو الفقر والجوع، في وقت تُهدر فيه مليارات الدولارات في مسارات لا تعود بالنفع الحقيقي على شعوب المنطقة.
المفارقة المؤلمة أن الجغرافيا ثابتة لا تتغير، والعلاقات بين الشعوب تُبنى على هذا الثبات. اليمن سيبقى جارًا للخليج، شئنا أم أبينا، ولن تتحول حدوده إلى أوروبا، ولن ينتقل شعبه إلى جوار النمسا كما قد يتمنى البعض هروبًا من واقع مؤلم. وبالتالي، فإن أي استثمار في استقرار اليمن هو استثمار مباشر في استقرار الخليج نفسه، وليس عملًا خيريًّا أو ترفًا سياسيًّا.
إن غياب الحكمة في إدارة هذه الموارد يظهر حين تُفضَّل كلفة الحرب على كلفة السلام، وحين يُهمَل الأقرب لصالح الأبعد، وحين تتحول الأولويات من البناء إلى الصراع. فالسؤال الحقيقي ليس فقط أين ذهبت المليارات، بل لماذا لم تُستخدم في منع الانهيار، أو في بناء نموذج استقرار يُحتذى به في المنطقة؟
ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس المزيد من الإنفاق على الصراعات، بل إعادة تعريف لمفهوم الأمن نفسه، بحيث يصبح مرتبطًا بالتنمية والاستقرار الداخلي، لا بالإنهاك المستمر عبر الحروب. فالأمن الحقيقي لا يُشترى بالسلاح فقط، بل يُبنى بالاقتصاد، والتعليم، والبنية التحتية، وبخلق بيئة إقليمية متماسكة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار: هل تستمر الحلقة ذاتها من تمويل الحروب ثم دفع كلفة نتائجها، أم يُعاد توجيه البوصلة نحو الداخل الإقليمي، حيث اليمن وغيرها من الدول التي يمكن أن تتحول من عبء إلى شريك، ومن ساحة صراع إلى ركيزة استقرار؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المنطقة في العقود القادمة، وهي أيضًا التي ستكشف إن كانت الحكمة ستنتصر على منطق الاستنزاف، أم سيبقى المواطن العربي يدفع الثمن مرتين.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن