السبت, 20 يونيو 2026
112
لو دُعيتَ اليوم لزيارة متحف غريب، لا يضم آثار الملوك ولا أدوات الحضارات القديمة، بل يضم كل ما انتهت صلاحيته في حياة الإنسان، فماذا ستجد؟
ستجد في إحدى الزوايا دواءً قديمًا كتب عليه: "كان علاجًا ذات يوم". وفي زاوية أخرى هاتفًا ضخمًا كان الناس يحملونه بفخر، ثم أصبح قطعة تثير الابتسام. وستجد آلة كاتبة صدئة، وأشرطة تسجيل، وأقراصًا لم يعد أحد يعرف كيف يشغّلها.
لن يسخر أحد من هذه الأشياء، ولن يغضب منها أحد، بل سيكتفي الجميع بالقول: "لقد أدت دورها، ثم تجاوزها الزمن. "هذه هي سنة الحياة.
فالنهر الذي يتوقف عن الجريان يتحول إلى مستنقع، والشجرة التي لا تنمو تموت واقفة، والعقل الذي يرفض التغيير يصبح أسير الماضي. ولهذا لم تتقدم البشرية لأنها احتفظت بكل شيء، بل لأنها امتلكت الشجاعة لتترك وراءها ما لم يعد ينفعها. لقد تخلت عن وسائل علاج بدائية عندما اكتشفت الطب الحديث. وتخلت عن وسائل نقل مرهقة عندما صنعت القطارات والطائرات. وتخلت عن كثير من المعتقدات التي كانت ترى بعض البشر أقل قيمة من غيرهم.
كل خطوة نحو الأمام كانت في حقيقتها قرارًا جريئًا بالتخلي عن شيء قديم لصالح شيء أفضل.
لكن هناك سؤالًا يستحق التأمل:
هل كل ما ورثناه من الماضي يستحق البقاء؟
الحقيقة أن العمر الطويل للفكرة لا يجعلها صحيحة. فالظلام كان أقدم من المصباح، ومع ذلك لم ينتصر على النور. والمرض أقدم من الدواء، ومع ذلك لم نتمسك به لأنه أقدم. والجهل أقدم من المدرسة، ومع ذلك لم نقدسه لأنه موروث.
إن العبرة ليست في عمر الشيء، بل العبرة في مقدار الخير الذي يقدمه للإنسان.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي. قبل أن نتبنى أي فكرة أو عادة أو سلوك، علينا أن نسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة بسيطة:
* هل يجعل الإنسان أكثر روحانياً و إنسانياً ؟
* هل يزيد المحبة بين الناس؟
* هل يفتح بابًا للمستقبل أم يعيدنا إلى الوراء؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنتمسك به.
أما إذا كان يزرع الخوف والكراهية والانقسام، فقد حان وقت مراجعته مهما كان عمره أو مكانته. وفي حياتنا اليومية نستطيع أن نمارس هذا المبدأ بطرق بسيطة: أن نستبدل الصراخ بالحوار. وأن نستبدل الاتهام بالاستماع. وأن نستبدل الرغبة في الانتصار بالرغبة في الفهم. وأن نسأل عند كل خلاف: كيف نصل إلى حل؟ بدلاً من: كيف أثبت أنني الأقوى؟
هذه الخطوات الصغيرة تبدو عادية، لكنها في الحقيقة اللبنات الأولى لعالم مختلف.
فالعالم لا يتغير فجأة بقرار سياسي أو مؤتمر عالمي. العالم يتغير عندما تتغير طريقة تفكير البشر. وعندما تتغير طريقة تفكير البشر، يكتشفون أن كثيرًا من الصراعات التي ظنوها حتمية لم تكن سوى عادات قديمة استمرت أكثر مما ينبغي. ومن بين تلك العادات تقف الحرب. ذلك الاختراع القديم الذي رافق مراحل مبكرة من تاريخ الإنسان. وسيلة لجأ إليها البشر عندما عجزوا عن فهم بعضهم البعض.
أما اليوم، وبعد كل ما تعلمناه عن قيمة الإنسان وكرامته ووحدة مصيره، فإن استمرار الحرب يشبه الإصرار على استخدام شمعة لإضاءة مدينة كاملة. لقد علمتنا التجارب أن الحرب قد تحسم معركة، لكنها لا تبني سلامًا. وقد تسكت صوتًا، لكنها لا تقنع عقلًا. وقد تهدم بيتًا في دقائق، لكنها تحتاج أجيالًا لإعادة ما هدمته. ولهذا فإن أعظم تقدم يمكن أن تحققه البشرية ليس صناعة سلاح أقوى، بل صناعة إنسان أرحب قلبًا وأوسع أفقًا.
وهنا نصل إلى البداية الحقيقية لكل شيء"الأسرة". ففي الأسرة يتعلم الطفل لأول مرة كيف يختلف دون أن يكره. وكيف يعبر عن رأيه دون أن يؤذي. وكيف يحترم الآخر حتى عندما لا يتفق معه. عندما يصبح البيت مدرسة للحوار، ومكانًا للمودة، وبيئة يشعر فيها الجميع بالأمان والاحترام، فإننا لا نبني أسرة سعيدة فحسب، بل نزرع بذور السلام في المجتمع كله.
فالسلام العالمي وعد حق و ليس مشروعًا يبدأ من الحدود السياسية، بل هو روح يدخل إلى مائدة الطعام التي تجتمع حولها الأسرة، ويؤثر في الكلمات التي يتبادلها الأبوان، وفي الطريقة التي نربي بها أبناءنا على المحبة والتعاون. وحين يمتلئ البيت حبًا ووئامًا، ينتقل ذلك إلى الشارع، ثم إلى المجتمع، ثم إلى الوطن، حتى يصبح السلام ثقافة يعيشها الناس لا شعارًا يرفعونه. وعندها فقط، ستجد البشرية الشجاعة الكافية لتضع الحرب في متحف الأشياء التي انتهى زمنها.
ودمتم سالمين.