السبت, 20 يونيو 2026
601
تعلمون حجم المظالم التي لحقت بالجنوب منذ حرب 1994، وكيف وحّدتكم المعاناة، ابتداءً من دعوة التصالح والتسامح عام 2006، مرورًا بالحراك الجنوبي عام 2007، وصولًا إلى توحدكم في مواجهة حرب 2015، حين أدركتم أن القضايا الكبرى لا تنتصر إلا بوحدة الصف وتغليب المصلحة العامة.
لكن السنوات التي أعقبت عام 2016 أعادت الخلافات إلى الواجهة، وبعثت الانقسامات من جديد. وأصبح البعض، للأسف، جزءًا من سوق للمصالح السياسية تُستثمر فيه الخصومات وتُباع فيه المواقف، حتى بات المشهد يثير قلق الصديق قبل شماتة الخصم. وبين هذا وذاك تراجعت لغة الحوار، وارتفعت أصوات التخوين والمكايدات.
أيها الجنوبيون، تعلمون جيدًا أن العودة إلى الأوضاع السابقة لن تقود إلا إلى النتيجة ذاتها التي عانيتم منها لعقود. فالتجارب لا تزال حاضرة في الذاكرة، والدروس لم تغب عن أحد. فهل أنتم مستعدون للعودة إلى مربع الصفر؟
فالذين لا يتعلمون من دروس التاريخ محكوم عليهم بتكرارها. وما أكثر الشعوب التي أضاعت فرصها حين جعلت خلافاتها أكبر من قضاياها، ثم اكتشفت متأخرة أن ما هدمته سنوات من الخصومة كان يمكن أن تبنيه لحظة من الحكمة.
ابحثوا عما يوحدكم بعيدًا عن الضغوط الخارجية وحسابات الآخرين، ولا تسمحوا لأحد أن يستخدمكم لتحقيق أهدافه. ولملموا صفوفكم، واحملوا أمانة شعبٍ ظُلِم وعانى كثيرًا، وأنتم الذين تتصدرون المشهد وتقدمون أنفسكم ممثلين له.
مارسوا السياسة بحكمة، واجعلوا القضية الجنوبية فوق كل اعتبار، فالحلول التي تُفرض على شعبٍ منقسم لا تكون عادلة، والحقوق لا تمنح في ظل التشرذم، بل تنتزع حين تتوحد الإرادة وتتقارب المواقف.
المصالح الآنية زائلة، والمناصب الهشة لا تدوم، أما المواقف فتبقى خالدة. فلا تنشغلوا بإحياء الجراح القديمة أو تصفية الحسابات، بل بما ستتركونه للأجيال القادمة من إرث ومواقف. فالأوطان لا تتذكر أسماء المتخاصمين بقدر ما تتذكر من وضعوا مصلحتها فوق مصالحهم الشخصية.
إن الجنوب اليوم يمر بمرحلة حساسة وصعبة، تتطلب من الجميع الارتقاء فوق الحسابات الضيقة. فالتحديات كبيرة ومؤلمة، لكن الإرادة والوعي والقدرة على توحيد الصفوف حول الهدف المشترك كفيلة بأن تمنح الجنوب فرصة الانتصار بعد سنوات طويلة من المعاناة والصبر والتضحيات.
أيها الجنوبيون، خففوا من حدة الخطابات والمنشورات التي تؤجج الخلافات، وسدوا منافذ الفرقة التي يتسلل منها المتربصون بقضيتكم ومستقبلكم. فالشعوب لا تبني مستقبلها وسط ضجيج الخصومات، بل حين تجعل الحكمة جسرًا تعبر به نحو أهدافها الكبرى، وتجعل مما يجمعها أكبر مما يفرقها.
في النهاية، مهما تجملت الخلافات بالشعارات، ومهما أُحيطت المواقف بالمبررات، فإن الخاسر الأكبر سيكون الجنوب وأبناؤه جميعًا. إنها لحظة فاصلة لا تحتمل التردد؛ فإما أن تتحول التضحيات إلى مشروع وطني جامع، وإما أن تبتلعها الخلافات وتبدد ثمارها. والتاريخ لا ينتظر المتأخرين.