أخر تحديث للموقع
الاثنين, 22 يونيو 2026 - 12:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • حين تصبح الكلمة جرحًا عامًّا: خطاب الكراهية ضد النساء ليس رأيًا

    د. نادر السقاف




    في كل مرة تُهان فيها امرأة على منصّة إعلامية، أو في تعليق عابر، أو في مجلس خاص، يبدو الأمر للبعض كأنه “رأي” أو “مزاح” أو مجرد خلاف طبيعي. لكن الكلمات ليست دائمًا خفيفة كما نتخيّل؛ فبعضها يتحول إلى جدار يمنع المرأة من الكلام، أو التعلم، أو العمل، أو المشاركة في الشأن العام. وحين يصبح هذا الجدار واسعًا، لا تتضرر النساء وحدهن، بل يخسر المجتمع جزءًا من عقله وخبرته وقدرته على النهوض.

    خطاب الكراهية ضد النساء لا يبدأ دائمًا بالتحريض الصريح أو الشتائم الفظة. أحيانًا يبدأ بسؤال يبدو بريئًا: لماذا تتحدث هذه المرأة؟ وأحيانًا يتخفى خلف وصاية قاسية: مكانها ليس هنا. وقد يأتي في صورة تشكيك دائم في نواياها أو قدراتها، أو اختزالها في مظهرها بدلًا من الاستماع إلى فكرتها. هذه الأشكال، مهما اختلفت حدتها، تتفق في شيء واحد: سلب المرأة حقها في أن تُرى إنسانة كاملة، لها عقل وصوت وكرامة ومسؤولية.

    المشكلة لا تكمن فقط في الكلمات المسيئة، بل في الأثر الذي تتركه. فتاة تقرأ آلاف التعليقات التي تسخر من امرأة ناجحة قد تتعلم، بصمت، أن الطموح ثمنه الإهانة. وموظفة تتعرض للتقليل المستمر من شأنها قد تتردد في طرح فكرة جيدة. وأم تسمع أن تعليم البنات أمر ثانوي قد تجد نفسها ممزقة بين حبها لابنتها وبين الخوف من حكم الناس. هكذا لا يقتصر خطاب الكراهية على لحظة إساءة واحدة، بل ينتج جيلًا أكثر صمتًا وأقل ثقة.

    ومن الزوايا التي نغفلها أن الكراهية ضد النساء ليست مشكلة “نسائية” فقط. إنها اختبار أخلاقي للمجتمع كله. فالبيت الذي لا يسمع ابنته كما يسمع ابنه، والمدرسة التي تسمح بالسخرية من الطالبات، والمنصة التي تفتح الباب للتشهير، كلّها تزرع فكرة خطيرة: أن القوة تعني القدرة على إقصاء الآخر. وهذه الفكرة لا تتوقف عند النساء؛ فهي سرعان ما تمتد لتطال كل مختلف وضعيف وصاحب رأي غير مألوف.

    نحتاج إلى تغيير طريقة حديثنا قبل أن نطلب من الآخرين تغيير سلوكهم. فبدلًا من السؤال: هل يحق للمرأة أن تشارك؟ ينبغي أن نسأل: كيف نخسر حين لا تشارك؟ وبدلًا من مراقبة حضورها، علينا تقييم الأفكار التي تقدمها. لا أحد يطالب بإلغاء الاختلاف أو منع النقد أو حق الرأي؛ النقد حق مشروع وضروري. لكن هناك فرقًا واضحًا بين نقد فكرة، وبين تحقير صاحبة الفكرة أو تعميمها على نوع اجتماعي كامل. الفرق بينهما هو احترام الإنسان.

    كما أن مواجهة خطاب الكراهية لا تحتاج دائمًا إلى معارك صاخبة. أحيانًا تبدأ بتعليق متزن يرفض الإهانة، أو بمعلّم يوقف سخرية في الصف، أو بأب يمنح ابنته المساحة ذاتها التي يمنحها لابنه، أو بمحرر يختار ألا ينشر مادة تُهين النساء بحجة الإثارة. هذه المواقف الصغيرة تصنع ثقافة عامة أكثر عدلًا، لأن المجتمع لا يتغير فقط عبر القوانين، بل عبر ما نقبله وما نرفضه في حياتنا اليومية.

    ولا يمكن النظر إلى هذا الخطاب بمعزل عن قضية العدالة الأوسع في المجتمع؛ فحين تُدفع النساء إلى الدفاع المستمر عن حقهن في الاحترام، يتحول الوقت والجهد من العمل والإبداع إلى مواجهة الإقصاء. ومن هنا تأتي مسؤولية وسائل الإعلام والمدارس والمؤسسات الدينية والثقافية في تقديم لغة بديلة: لغة تعترف بالاختلاف من دون ازدراء، وتمنح الجميع فرصة متكافئة للتعبير والمساهمة. كما أن تربية الفتيان على احترام أخواتهم وزميلاتهم ليست درسًا سلوكيًّا عابرًا، بل استثمار في أسر أكثر طمأنينة وأماكن عمل أكثر إنتاجًا ووطن يتسع لمواهب أبنائه وبناته. فالمجتمع الذي يصون كرامة نسائه يرسخ في أفراده معنى المسؤولية، ويجعل الحوار طريقًا للإصلاح لا سلاحًا للإيذاء.

    إن كرامة المرأة ليست منحة من أحد، ولا قضية موسمية تُستدعى عند الحاجة إلى الشعارات. إنها جزء من كرامة المجتمع نفسه. وحين نتعلم أن نختلف دون أن نُهين، وأن نناقش دون أن نُقصي، وأن نرى في المرأة شريكة كاملة في بناء المستقبل، نكون قد بدأنا فعلًا في حماية اليمن من كراهية تضعف الجميع.

المزيد من مقالات (د. نادر السقاف)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال