ليس غريبًا في اليمن أن يكتشف الإنسان، وهو ينتقل من مدينة إلى أخرى، أن ما كان يظنه مألوفًا ليس هو القاعدة الوحيدة. تتغير اللهجة، وتتغير الأكلات، وتختلف طريقة السلام، وأحياناً تفاصيل اللباس والاحتفال، وقد تختلف أيضًا الخلفية المذهبية أو الدينية. في البداية قد يبدو الأمر مجرد فروق بسيطة، لكنها في الحقيقة تكشف شيئًا أعمق: اليمن ليس صوتاً واحداً، ولا وجهًا واحدًا، ولا ذاكرة واحدة. إنه بلد تكوّن عبر طبقات متعددة من الناس والأماكن والعادات والمعتقدات.

هذا الاختلاف لا يحتاج إلى مبالغة في الاحتفاء به، ولا إلى خوف منه. هو ببساطة جزء من الواقع. المشكلة تبدأ عندما نطلب من الناس أن يتشابهوا كي نشعر بالأمان، أو عندما نعامل المختلف كأنه مطالب دائماً بتفسير نفسه والدفاع عن انتمائه. في تلك اللحظة لا يعود الاختلاف مسألة طبيعية، بل يتحول إلى عبء يحمله صاحبه أينما ذهب.

كثيراً ما نسمع في الحياة اليومية أسئلة تبدو عادية، لكنها تحمل أحياناً حكماً مسبقاً: من أين أنت؟ إلى أي جماعة تنتمي؟ ما مذهبك؟ ما اسم أسرتك؟ هذه الأسئلة ليست خطيرة بذاتها، فالناس يتعارفون من خلالها أحيانًا. لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى بوابة لتحديد قيمة الإنسان، أو الثقة به، أو منحه فرصة، أو حرمانه منها. هنا يغيب المعنى الحقيقي للمواطنة، ويحل محله تصنيف الناس حسب القرب والبعد، لا حسب الكفاءة والحق والكرامة.

في بلد مثل اليمن، لا يمكن تجاهل أثر المنطقة أو القبيلة أو المذهب أو الخلفية الدينية في حياة الناس. هذه الانتماءات جزء من تاريخهم وذاكرتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. لكن الخطر يظهر حين تصبح هذه الانتماءات أكبر من الإنسان نفسه. فالإنسان ليس مجرد لقب، ولا منطقة، ولا مذهب، ولا عائلة. هو مواطن له حق في الأمان والتعليم والعمل والكرامة، سواء كان يشبه الأغلبية أو يختلف عنها.

المواطنة هنا ليست فكرة فاخرة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الحرب. بالعكس، هي من الشروط الأساسية للخروج من آثار الحرب. فحين يشعر الناس أن حقوقهم مرتبطة بمن يسيطر، أو بمن يعرفون، أو بالجماعة التي تحميهم، فإنهم سيفقدون الثقة بأي سلام قادم. السلام لا يعني فقط أن تسكت البنادق، بل أن يشعر المواطن بأن حياته لا تتوقف على هويته الضيقة، وأن القانون لا يسأله أولاً عن أصله قبل أن يعترف بحقه.

ربما نحتاج في اليمن إلى شجاعة من نوع مختلف: شجاعة الاعتراف بأن الوحدة لا تعني التشابه. قد يعيش الناس في بلد واحد، لكنهم لا يصلّون بالطريقة نفسها، ولا يتحدثون باللهجة نفسها، ولا يملكون الذاكرة الاجتماعية نفسها. هذا لا يضعف المجتمع بالضرورة. ما يضعفه هو أن تتحول هذه الفروق إلى سلالم يصعد بها بعض الناس، وجدران تمنع آخرين من الوصول إلى حقوقهم.

ولهذا فإن حماية الاختلاف لا تبدأ فقط من النصوص القانونية، رغم أهميتها. تبدأ أيضاً من اللغة التي نستخدمها في البيت والمدرسة والإعلام والسياسة. حين نصف جماعة كاملة بصفة واحدة، أو نسخر من لهجة، أو نشكك في وطنية شخص بسبب مذهبه أو منطقته، فنحن لا نمارس رأيًّا عابرًا فقط؛ نحن نشارك في بناء بيئة تجعل الإقصاء أمرًا عاديًا. والكلمات، حين تتكرر كثيراً، قد تتحول إلى مواقف، ثم إلى سياسات، ثم إلى ظلم يصعب التراجع عنه.

لا يحتاج اليمن إلى إنكار تنوعه كي يحافظ على تماسكه. يحتاج إلى طريقة عادلة في إدارة هذا التنوع. يحتاج إلى أن تكون المدرسة مكانًا يتعلم فيه الطفل أن الاختلاف لا ينتقص من صاحبه، وأن تكون الوظيفة العامة حقًا لا امتيازًا، وأن يكون القانون واضحًا في حماية الجميع لا في حماية الأقوى فقط. كما يحتاج إلى خطاب سياسي لا يستخدم الهويات الصغيرة وقوداً للصراع، ثم يطلب من الناس بعد ذلك أن يثقوا بفكرة الوطن.

في النهاية، ليست المسألة أن نحب كل اختلاف أو نتفق معه دائمًا. المسألة أن نعترف بأن حق الإنسان لا يتوقف على مدى شبهه بنا. فالمواطنة الحقيقية لا تطلب من الناس أن يتخلوا عن انتماءاتهم، لكنها تمنع أن تتحول هذه الانتماءات إلى سبب للتمييز. وعندما يشعر كل يمني أن له المكانة نفسها أمام القانون والمجتمع، يصبح الاختلاف جزءاً من الحياة، لا سببًا للخوف منها.