تؤكد الحقائق التاريخية والجغرافية مع كل معترك سياسي يخوضه الإقليم، لتعيد رسم الخطوط العريضة للمعادلة الأكثر واقعية و وضوحاً في شبه الجزيرة العربية والخليج : إن أمن الجنوب العربي واستقراره هو الامتداد المباشر لأمن الخليج والعالم العربي ككل.
في هذا السياق، تؤسس العودة القوية والمتماسكة للتنسيق السعودي - الإماراتي لمرحلة جديدة من العمل الاستراتيجي المشترك. وحين تلتقي رؤية الرياض وأبوظبي تحت مظلة "وحدة المصير"، فإن الانعكاس الطبيعي لهذا التلاحم يتجلى في إعادة قراءة ملفات المنطقة بمسؤولية ونظرة شمولية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية بوصفها مفتاح الحل والاستقرار للباب الجنوبي لشبه الجزيرة العربية.
- تاريخ من الشراكة والوفاء للمحيط العربي
لم يكن الجنوب عبر مختلف مراحله التاريخية إلا سنداً لجيرانه، وحارساً أميناً للمصالح الحيوية للإقليم والعالم. يقع الجنوب على واحد من أهم الممرات الملاحية والدولية (مضيق باب المندب وبحر العرب)، وطوال تاريخه كانت ثقافة هذا الشعب قائمة على التعايش، وحماية التبادلات التجارية، والوقوف في خندق الأمن القومي العربي ضد أي أطماع أجنبية أو مشاريع توسعية تستهدف استقرار المنطقة.
إن إدراك العواصم القرار العربي والدولي لهذه الحقيقة لم يعد مجرد تعاطف مع مظلمة سياسية، بل هو استحقاق استراتيجي يمليه الواقع وتفرضه المصالح المتبادلة:
خط الدفاع الأول: يمثل الجنوب الصخرة الصلبة التي تكسرت عليها محاولات الهيمنة والإرباك الملاحي والأمني في المنطقة.
شريك لا يستغنى عنه: أثبت أبناء الجنوب أنهم الشريك الأكثر صدقاً وفاعلية في الميدان لتأمين الحدود والبحار ومكافحة الإرهاب.
ضمانة الاستقرار الدولي: استقرار الجنوب يعيد التوازن لخطوط التجارة العالمية ويؤمّن إمدادات الطاقة، وهو ما يلتقي مباشرة مع مصالح القوى الدولية الفاعلة.
- أحداث حضرموت: تحويل التحدي إلى فرصة إقليمية
إن قراءة التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها حضرموت من منظور استراتيجي تتطلب تجاوز خانة "الأزمة العابرة"، والذهاب مباشرة نحو تصحيح المسار بما يخدم أبناء الحضارة والتاريخ في حضرموت، ويحمي النسيج الجنوبي، ويصون مصالح الأشقاء والجوار.
المنطلق الأساسي: حضرموت هي القلب النابض للجنوب، وعمق أمني واقتصادي واستثماري للخليج. والتعاطي مع شؤونها يجب أن ينطلق من تمكين أبنائها وبناء نموذج إداري وأمني متماسك يقطع الطريق أمام أي ثغرات قد تستغلها القوى المتربصة.
خطوات العمل للتحول الاستراتيجي:
إعادة ترتيب البيت الداخلي: إدارة حوار جنوبي - جنوبي يستوعب كافة الطاقات الحضرمية والجنوبية، ويُرسّخ الشراكة الوطنية العادلة بعيداً عن التهميش أو الاستقطاب.
تمكين أهل الأرض: تسليم شؤون إدارة المحافظة أمنياً واقتصادياً لأبنائها، باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقية والأقدر على حماية ديارهم وتأمين حدودهم.
تكامل اقتصادي واستثماري: إيجاد بيئة آمنة وجاذبة لرأس المال الخليجي و الحضرمي واليافعي والشبواني وبقية المستثمرين بدرجة أولى في المهاجر وللاستثمارات الخليجية، لتتحول المحافظة من ساحة للتجاذبات إلى قاطرة للتنمية والازدهار.
إن عدالة القضية الجنوبية لم تعد مظلمة حقوقية فحسب بل وقضية سياسية بامتياز أضحت ضرورة إقليمية ودولية لإرساء سلام دائم وشامل. وإن التفاهم السعودي الإماراتي الشقيق يقدم الفرصة التاريخية الأنسب لصياغة واقع جديد يُنصف الجنوبيين، ويحمي حدود الجوار، ويصون الأمن القومي العربي من التفكك والاستنزاف. ويفتح الحوار مع صنعاء تحت مظلة الأمم المتحدة في إطار الحل الشامل للأزمة
لقد أثبتت التجربة أن الجنوب الحي، المتماسك مع محيطه الخليجي والعربي، هو الضمانة الوحيدة لأمن باب المندب واستقرار اليمن و شبه الجزيرة العربية. وحين تتكامل الإرادة السياسية الجنوبية مع الحكمة والمسؤولية لدى دول التحالف العربي والقوى السياسية الفاعلة في البلاد يتشكل الحصن المنيع الذي يحمي المنطقة برمتها لعقود قادمة.