الثلاثاء, 23 يونيو 2026
123
في الأدبيات الإدارية التقليدية تُعرَّف الإدارة العامة بأنها الأداة التي تستخدمها الدولة لتنفيذ السياسات العامة، وإدارة الموارد، وتقديم الخدمات للمواطنين. ويفترض نظريًّا أن تكون الإدارة جزءًا من الحلول الوطنية، وأن تمثل الجسر الذي تنتقل عبره القرارات من الأوراق إلى الواقع. غير أن التجارب التاريخية في العديد من الدول النامية تكشف حقيقة أكثر تعقيداً؛ فالإدارة العامة قد تتحول في بعض الأحيان من أداة لمعالجة الأزمات إلى أحد أهم أسباب استمرارها وتفاقمها.
فعندما تواجه دولة ما أزمة اقتصادية أو أمنية أو خدمية، يتجه التفكير عادة نحو نقص الموارد أو تعقيدات البيئة السياسية أو التدخلات الخارجية. لكن القليل من التحليلات يتوقف عند سؤال أكثر جوهرية: ماذا لو كانت المؤسسة الإدارية نفسها جزءًا من الأزمة؟
إن الإدارة العامة لا تصبح مشكلة بسبب وجود الموظفين أو المؤسسات، بل عندما تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية بكفاءة وحياد وفعالية. ففي هذه الحالة تبدأ البيروقراطية في إنتاج التأخير بدلًا من الإنجاز، وتتحول الإجراءات إلى عوائق، وتصبح القواعد التنظيمية أدوات لتعطيل المبادرات بدلًا من تنظيمها.
ومن أبرز المؤشرات على تحول الإدارة إلى جزء من الأزمة تضخم الهياكل التنظيمية مقابل ضعف النتائج. ففي بعض الدول تتزايد أعداد المؤسسات والهيئات واللجان عامًا بعد آخر، بينما لا يلمس المواطن أي تحسن في مستوى الخدمات أو الأداء. وهنا يصبح التوسع الإداري شكلًا من أشكال استهلاك الموارد لا وسيلة لتعظيم الاستفادة منها.
كما يظهر الخلل عندما تصبح عملية اتخاذ القرار بطيئة إلى درجة تفقد معها القرارات قيمتها الزمنية. فالقرار الصحيح الذي يصدر متأخرًا قد لا يكون أقل ضررًا من القرار الخاطئ. وفي أوقات الأزمات الاقتصادية أو الكوارث أو التحولات الكبرى تصبح سرعة الاستجابة جزءاً من الكفاءة الإدارية نفسها.
وتتفاقم المشكلة أكثر عندما تهيمن الاعتبارات السياسية أو الشخصية على معايير الكفاءة المهنية. فالإدارة التي تقوم على الولاءات لا على الجدارة تفقد تدريجيًا قدرتها على التعلم والتطوير، وتتحول المناصب إلى مواقع نفوذ بدلًا من أن تكون مواقع مسؤولية. ومع مرور الوقت تتراجع الخبرة المؤسسية، وتصبح الأخطاء أكثر كلفة، وتتآكل ثقة المواطنين بالدولة.
وفي كثير من الأحيان لا تتمثل المشكلة في غياب الخطط أو الاستراتيجيات، بل في وجود فجوة واسعة بين ما يُكتب وما يُنفذ. فقد تمتلك الدولة وثائق إصلاحية متقدمة وخططًا تنموية طموحة، لكن الإدارة العاجزة أو المترهلة تجعل تلك الخطط مجرد نصوص محفوظة في الأدراج. وهنا لا تكمن الأزمة في الرؤية، بل في القدرة التنفيذية.
ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في الدول التي تعيش أوضاعًا انتقالية أو نزاعات طويلة الأمد. ففي مثل هذه البيئات تتعرض المؤسسات الإدارية لضغوط هائلة تؤدي إلى تراجع المهنية وتداخل الاختصاصات وضعف المساءلة. ومع مرور الوقت يصبح المواطن مضطراً للبحث عن بدائل خارج مؤسسات الدولة للحصول على الخدمات أو حل المشكلات، وهو ما يضعف الشرعية المؤسسية ويعمق أزمة الثقة.
وفي الحالة اليمنية تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فاليمن لا يواجه فقط أزمة موارد أو تداعيات حرب ممتدة، بل يواجه أيضًا أزمة قدرة مؤسسية على إدارة التحديات المتراكمة. فعلى الرغم من تعدد الخطط والبرامج والإعلانات الإصلاحية، ما تزال الفجوة واسعة بين القرار والتنفيذ، وبين ما يُعلن رسميًا وما يلمسه المواطن في حياته اليومية.
فأزمات الكهرباء والمياه وسعر الصرف والخدمات العامة لا تعكس دائمًا نقصًا في الرؤية أو التشخيص، بل تكشف في كثير من الأحيان عن ضعف التنسيق المؤسسي، وتداخل الصلاحيات، وتعدد مراكز اتخاذ القرار، وغياب منظومات المتابعة والتقييم والمساءلة. وفي مثل هذه البيئة تصبح الإدارة العامة عاجزة عن تحويل الموارد المحدودة إلى نتائج ملموسة، بل قد تتحول بعض مكوناتها - بقصد أو بغير قصد - إلى عامل إضافي يفاقم الأزمة ويُبطئ مسارات التعافي.
ولعل أخطر ما في الأمر أن استمرار هذا الوضع يرسخ لدى المواطن شعورًا بأن الدولة موجودة شكلًا أكثر منها فعلًا، وأن الحصول على الخدمة أو إنجاز المعاملة يعتمد على العلاقات الشخصية والاستثناءات أكثر مما يعتمد على القواعد والمؤسسات. وهنا لا تصبح الأزمة اقتصادية أو خدمية فحسب، بل تتحول إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة.
ومن ثم فإن أي مشروع جاد لإعادة بناء اليمن لا ينبغي أن يقتصر على توفير التمويل أو إعادة إعمار البنية التحتية، بل يجب أن يشمل إعادة بناء الإدارة العامة نفسها، باعتبارها الحاضنة التي ستمر عبرها كل سياسات التنمية والاستقرار. فالدول لا تنهض بالمشروعات وحدها، وإنما تنهض أيضًا بالمؤسسات القادرة على إدارة تلك المشروعات بكفاءة واستدامة.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن إصلاح الإدارة العامة يقتصر على تحديث اللوائح أو إدخال التكنولوجيا. فالتقنيات الحديثة يمكن أن تجعل الإجراءات أسرع، لكنها لا تعالج وحدها المشكلات البنيوية المرتبطة بالثقافة التنظيمية أو الحوافز أو أنماط القيادة أو نظم المساءلة. فالتحول الرقمي قد ينقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشة، لكنه لا يلغيها تلقائيًا.
إن جوهر الإصلاح الإداري يتمثل في بناء مؤسسات قادرة على التعلم والتكيف والاستجابة السريعة، وفي ترسيخ مبدأ الجدارة، وتعزيز المساءلة، وربط الأداء بالنتائج. كما يتطلب إعادة النظر في العلاقة بين المواطن والإدارة بحيث يصبح المواطن محور الخدمة العامة لا مجرد متلقٍ لها.
والحقيقة أن كثيرًا من الدول لا تفشل بسبب ندرة الموارد بقدر ما تفشل بسبب ضعف القدرة على إدارة تلك الموارد. فالموارد المحدودة يمكن تعويضها بالكفاءة، أما غياب الكفاءة فلا تعوضه الوفرة المالية. ولهذا فإن نجاح أي مشروع وطني للإصلاح الاقتصادي أو التنموي يظل مرتبطًا بوجود إدارة عامة قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع.
ولو وقفنا أما هذه الإشكالية بصدقٍ وموضوعية، سنجد أنفسنا في بداية الطريق نحو دولة قادرة على إدارة الحاضر وصناعة المستقبل.