> عدن «الأيام» خاص:

  • الجنوب بين نار الحوثي وضغوط الحلفاء.. من المستفيد إضعاف القوات الجنوبية؟
  • خبراء يحذرون من تواطؤ سياسي وعسكري يهدد توازن الردع بين صنعاء وعدن
> أثار إعلان جماعة الحوثي رفع مستوى الجاهزية العسكرية وإطلاق حالة التعبئة العامة في مناطق سيطرتها موجة واسعة من الترقب والقلق في الأوساط السياسية والعسكرية اليمنية، خصوصًا في المحافظات الجنوبية، حيث يرى مراقبون أن الخطوة تتجاوز إطار الإجراءات التنظيمية الداخلية لتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن أهداف الجماعة العسكرية خلال المرحلة المقبلة، واحتمالات إعادة تنشيط جبهات الصراع التي شهدت مواجهات واسعة خلال السنوات الماضية.

وأعلنت قوات التعبئة التابعة للجماعة أنها أصبحت في حالة جاهزية كاملة لتنفيذ توجيهات قيادتها وإسناد مختلف الجبهات بالمقاتلين، مؤكدة استمرار برامج التجنيد والتدريب العسكري التي شملت، وفق بياناتها، أعدادًا كبيرة من المجندين الذين تم توزيعهم على تشكيلات وألوية جديدة خلال السنوات الأخيرة.

ويأتي هذا الإعلان في ظل حالة من الهدوء النسبي التي تشهدها معظم جبهات القتال منذ سنوات، ما دفع العديد من المراقبين إلى اعتبار التصعيد التعبوي مؤشرًا على أن الجماعة لا تزال متمسكة بخيار القوة العسكرية وتسعى للحفاظ على مستوى مرتفع من الجاهزية القتالية يمكنها من التحرك سريعًا وفقًا لمتطلبات التطورات السياسية أو العسكرية.



استدعاء لذكريات 2015

وفي المحافظات الجنوبية أعاد إعلان التعبئة إلى الأذهان الأحداث التي سبقت اجتياح الحوثيين للجنوب عام 2015، حين أعلنت الجماعة آنذاك حالة التعبئة العامة قبل أسابيع من تقدم قواتها نحو عدن وعدد من المحافظات الجنوبية.

ويرى محللون أن التشابه بين الخطابين العسكريين في عامي 2015 و2026 دفع قطاعات واسعة من الرأي العام الجنوبي إلى التعامل بحذر مع الإعلان الأخير، خصوصًا أن الجنوب كان الساحة الرئيسية للمواجهة التي انتهت بخروج الحوثيين من عدن وعدد من المحافظات الجنوبية بعد معارك واسعة خاضتها المقاومة الجنوبية بدعم من التحالف العربي.

ويشير متابعون إلى أن الجماعة لم تُخفِ طوال السنوات الماضية تمسكها بخطاب يعتبر اليمن ساحة سياسية وجغرافية واحدة تحت سلطتها، وهو ما يفسر المخاوف المتكررة من أن أي تصعيد عسكري جديد قد يتجه نحو المناطق التي فقدت السيطرة عليها خلال الحرب.



أهداف متعددة وراء التصعيد

وتتباين التقديرات بشأن الدوافع الحقيقية وراء إعلان التعبئة العامة في هذا التوقيت. فبينما يرى فريق من المحللين أن الخطوة تأتي في إطار تعزيز الجاهزية العسكرية وإظهار القدرة على الحشد، يعتقد آخرون أنها قد تكون مرتبطة باعتبارات داخلية تشمل محاولة احتواء الضغوط الاقتصادية والاحتقان الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة عبر توجيه الاهتمام نحو القضايا العسكرية والتعبوية.

كما يربط مراقبون التصعيد الحوثي بالتطورات الإقليمية، خصوصًا مع استمرار الجماعة في تقديم نفسها ضمن ما تسميه "محور المقاومة"، وتأكيدها على ارتباط تحركاتها العسكرية والسياسية بالسياقات الإقليمية الأوسع.

ويرى هؤلاء أن استمرار عمليات التعبئة والتجنيد يمنح الجماعة قدرة أكبر على تعويض الخسائر البشرية وتعزيز مرونتها في إدارة أي مواجهات مستقبلية، سواء داخل اليمن أو في إطار حسابات مرتبطة بالتوترات الإقليمية.



مخاوف جنوبية من إضعاف الجبهة الداخلية

بالتوازي مع التصعيد الحوثي، تتصاعد في الأوساط الجنوبية تحذيرات من تأثير الأزمات التي تواجه القوات العسكرية والأمنية الجنوبية على مستوى الجاهزية القتالية.

وتشير تقديرات سياسية وعسكرية إلى أن عددًا من التحديات الاقتصادية واللوجستية ينعكس بصورة مباشرة على أداء الوحدات المنتشرة في خطوط التماس، في ظل شكاوى متكررة بشأن تأخر صرف المرتبات وتراجع مستويات الدعم والإمداد في بعض الجبهات.

ويعتبر مراقبون أن هذه الظروف تثير مخاوف من إضعاف قدرة القوات الجنوبية على مواجهة أي تصعيد محتمل، خاصة في ظل استمرار المواجهات المتقطعة على بعض الجبهات الحدودية مع الحوثيين في محافظات مثل الضالع وأجزاء من يافع.

كما تداولت أوساط سياسية وعسكرية حديثًا متزايدًا عن مشاريع ومقترحات لإعادة هيكلة بعض التشكيلات العسكرية والأمنية الجنوبية، وهي خطوات يراها مؤيدوها جزءًا من جهود تنظيم المؤسسة العسكرية، بينما يخشى معارضوها من أن تؤدي إلى إضعاف وحدات لعبت أدوارًا رئيسية في مواجهة الحوثيين خلال السنوات الماضية.



تقاطع مصالح أم صراع مفتوح؟

وفي خضم هذه التطورات، تبرز اتهامات من شخصيات وقوى جنوبية تتحدث عن وجود أطراف سياسية ترى أن إضعاف القوات الجنوبية أو تقليص نفوذها العسكري والسياسي يخدم أهدافًا تتقاطع بصورة أو بأخرى مع مصالح الحوثيين، وإن اختلفت الدوافع والوسائل.

غير أن هذه الاتهامات لا تزال محل جدل سياسي واسع، إذ تؤكد أطراف أخرى أن الخلافات القائمة تتعلق بإعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي اليمني ولا تعني بالضرورة وجود توافق مباشر مع الجماعة الحوثية.

ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين مختلف القراءات يتمثل في أن أي تراجع في قدرات القوى المناهضة للحوثيين قد يمنح الجماعة مساحة أوسع للمناورة العسكرية والسياسية خلال المرحلة المقبلة.



مشهد مفتوح على الاحتمالات

وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على توجه الأطراف نحو تسوية سياسية شاملة، يبدو أن إعلان التعبئة الحوثية أعاد ملف المواجهة العسكرية إلى واجهة المشهد اليمني مجددًا.

وبينما تصف الجماعة إجراءاتها بأنها جزء من استراتيجية دفاعية مستمرة، تنظر إليها قوى جنوبية باعتبارها مؤشرًا على استمرار الطموحات العسكرية الرامية إلى استعادة مناطق خرجت عن سيطرة الحوثيين منذ عام 2015.

ومع استمرار التحديات الاقتصادية والعسكرية التي تواجه مختلف الأطراف، يبقى المشهد اليمني مفتوحًا على احتمالات متعددة، تبدأ من استمرار حالة الجمود الحالية، ولا تنتهي عند إمكانية عودة التصعيد العسكري إذا ما توافرت الظروف السياسية والميدانية المناسبة لذلك.