> «الأيام» غرفة الأخبار:

أعاد القرار الصادر عن رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين د. شائع الزنداني، والقاضي بمنع سفر الوزراء ونوابهم ووكلاء الوزارات إلى الخارج إلا بموافقة خطية مسبقة، فتح ملف العلاقة المعقدة بين الحكومة اليمنية ومراكز النفوذ المتعددة التي تتحكم بمفاصل القرار، وسط تشكيك واسع في قدرة السلطات على فرض تنفيذ القرار على أرض الواقع.

وجاء التوجيه الحكومي في ظل تصاعد الأزمات الاقتصادية والخدمية التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث يطالب الشارع بإجراءات حقيقية للحد من الهدر المالي وترشيد الإنفاق العام، خصوصًا ما يتعلق بسفريات المسؤولين وإقاماتهم الخارجية التي ظلت محل انتقادات شعبية متواصلة خلال السنوات الماضية.

ورغم أن القرار ألزم المنافذ البرية والبحرية والجوية بعدم السماح بسفر أي مسؤول إلا بعد الحصول على تصريح رسمي، إلا أن مراقبين يرون أن المشكلة لا تكمن في إصدار القرارات بقدر ما تكمن في غياب القدرة على تنفيذها، في ظل واقع سياسي وأمني تتعدد فيه مراكز النفوذ وتتداخل فيه السلطات والصلاحيات.

ويشير متابعون إلى أن الحكومات اليمنية المتعاقبة أصدرت خلال السنوات الماضية سلسلة طويلة من القرارات والتوجيهات المشابهة، غير أنها لم تحقق نتائج ملموسة، حيث استمرت ظاهرة إقامة عدد من المسؤولين خارج البلاد ومواصلة السفر بشكل متكرر دون أن تتمكن مؤسسات الدولة من فرض التزام كامل بهذه التوجيهات.

ويستحضر مراقبون توجيهات سابقة أصدرها الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي عام 2017، وأخرى صدرت عن رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيد بن دغر عام 2018، بالإضافة إلى قرارات وتوجيهات لاحقة من مجلس القيادة الرئاسي والحكومة خلال الأعوام الأخيرة، جميعها ركزت على إعادة المسؤولين إلى الداخل وربط ممارسة مهامهم بمواقع عملهم، إلا أن معظم تلك الإجراءات انتهت دون نتائج مستدامة.

ويرى محللون أن أحد الأسباب الرئيسية لتعثر تنفيذ مثل هذه القرارات يتمثل في وجود شخصيات وقوى نافذة ترتبط بشكل مباشر بدوائر إقليمية ودولية وتتلقى دعمًا أو توجيهات خارج الأطر الحكومية التقليدية، ما يجعلها أقل التزامًا بالقرارات الصادرة من مؤسسات الدولة، ويحد من قدرة الحكومة على فرض سلطتها الإدارية عليها.

كما يلفتون إلى أن بعض مراكز القوى السياسية والعسكرية تمتلك هامشًا واسعًا من الحركة والاستقلالية عن الجهاز التنفيذي، الأمر الذي يجعل كثيرًا من القرارات الحكومية أقرب إلى التوجيهات النظرية منها إلى القرارات الملزمة، خصوصًا في الملفات المرتبطة بتنقل المسؤولين وإقامتهم خارج البلاد.

وفي الشارع اليمني، قوبل القرار بحالة من التشكيك أكثر من الترحيب، إذ اعتبر مواطنون وناشطون أن نجاحه مرهون بإثبات قدرة الحكومة على تطبيقه على جميع المسؤولين دون استثناء، ومحاسبة المخالفين بصورة علنية، وهو ما لم يتحقق في التجارب السابقة.

ويؤكد مراقبون أن استعادة ثقة الشارع لا تتطلب إصدار المزيد من القرارات بقدر ما تحتاج إلى إظهار إرادة حقيقية في تنفيذها، خاصة في ظل تدهور الخدمات الأساسية وتأخر المرتبات وتراجع الأوضاع المعيشية.

وبينما تقدم الحكومة القرار باعتباره جزءًا من جهود ضبط الإنفاق وتعزيز الانضباط المؤسسي، يبقى التحدي الأبرز متمثلًا في مدى قدرتها على إلزام مختلف مراكز النفوذ باحترام قراراتها، في واقع سياسي ما زالت فيه بعض القوى الفاعلة تتصرف بمعزل عن مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل مصير القرار الجديد مرتبطًا بقدرته على تجاوز مصير القرارات السابقة التي بقيت حبرًا على ورق.