الثلاثاء, 30 يونيو 2026
63
نعم، إنها بداية البداية، لكن ليست في نظرة روبيو، بل في نظرتنا نحن. فما سُمّي "اتفاقًا إطاريًا" بين لبنان وإسرائيل لم يكن يتعدى آمالًا عريضة طالما ردّدتها وسائل الإعلام، دون أن تجد طريقًا فعليًا إلى التنفيذ، ولا تزال كذلك، بل زاد عليها ما حذّرنا منه سابقًا حول استدراجٍ يقلب الدولة اللبنانية إلى مجموعة مسلحة تعمل بيد الولايات المتحدة، وإمارةُ إسرائيل عليها، بعد أن سلّمتها طُعمًا لإيران وأذرعها؛ ليثبت معه لإيران وأعوانها هزالُ لبنان كدولة.
تحرّكت إيران فورًا بإقلاق مضيق هرمز؛ بغية تأكيد سيطرتها على موقف ضبط الصراع مع الولايات المتحدة، بعد أن امتلكت علامة القدرة على وقف إطلاق النار في جبهاتها كلها، ومنها لبنان. وسارعت الولايات المتحدة إلى إعلان "فرضها سطوةً على لبنان"، فيما سُمّي اتفاقًا إطاريًا يهدف إلى سحب هذه العلامة من إيران؛ ولهذا لم يكن سوى ساحة معركة أخرى من ساحات القتال مع إيران، التي حرّكت حزب الله في لبنان، وسلّمتها سذاجةُ لبنان و"مجموعة موظفيه" إلى المتصارعين، لتصبح ساحةً من ساحات فوضى الاتفاق الإيراني الأمريكي التي تحدّثنا عنها سابقًا.
ولم تقف خسارة لبنان عند ما سبق، ولا عند التنسيق والخط الساخن الذي سيتولى إدارة الصراع و"الاقتتال داخل لبنان"، بل سيُضاف إلى ذلك حتمًا تراجعٌ في دعم أهم الحلفاء العرب، وبخاصة السعودية. فقد سعت الولايات المتحدة إلى قطع طريقها، بعدما حاولت إزاحة لبنان عن مصير كهذا. ولم يكن اتصال ماكرون بولي عهدها يحيد عن هذا السيناريو، إذ حاولت فرنسا مرارًا تخفيف وطأة الإسراع الأمريكي في دفع لبنان إلى هذا المصير، طبعًا ليس لأجل عيون لبنان، وإنما بسبب التصارع بين فرنسا والولايات المتحدة.
وقبل كل شيء أقول: إن جميع الرهانات سوف تخسر، وكل الفرقاء سوف يدفعون الثمن، بما فيهم أولئك الذين "برموا" مواقفهم حتى تتكيف مع تقلّب الأحداث. ولن تُجدي كلمات اللين و"اللبون" والرفض، التي اجتمع عليها بري وجنبلاط بعد "حفحفة" زواياها بطريقة تسير في خط التوسط بين المواقف. ولم يحسب بري، كرئيسٍ لمجلس النواب، والجزء الأهم من الدولة اللبنانية، لا كشخص، أن "تذويب أظافر المواقف يجرح أكثر من حدّتها". ولن تُجدي، في تلافي مأزق "اللاعودة"، تلميحات جنبلاط "الخجولة خجل البكر"، ولا صيحات حزب الله في الشارع، ولا خطابات نعيم قاسم التي لا يتغير فيها سوى تاريخها.
أما في الجهة المقابلة، فقد بات أبناء "السيادة"، ومعها "الشرعية"، أكثر يُتمًا وضياعًا. ولن تغنيهم تأييدات العشائر، التي تشكّل مقتلًا في كل مشروع دولة، مهما كان شكله، ولا متاريس "شرعية" جعجع ومن أيّده، التي لا تعرف حتى طريقها؛ كي تعرف غيرها. ولن أزيد هنا على القول بأن أكبر عيوب هذا "الاتفاق" أنه ابن الشرعية.
فهذه الشرعية، التي لم تتمكن من إنهاء حزب الله بمفردها، لن تتمكن بالتأكيد من إنهائه تحت قيادة العمليات الأمريكية، لا سيما مع الحديث عن بنود سرية، ناهيك عن دخول خط الصفقات التجارية، التي لا يترك ترمب فيها "عرسًا إلا ويلجه". وسيكون لبنان عامل التنظيفات في هذا العرس، حين يتحول الجيش اللبناني إلى مفرزة أمريكية إسرائيلية، وتتحول الدولة اللبنانية إلى دور "عنصر جمركي وحيد" يكافح عمليات تهريب كبريات العصابات، وهو يسعى إلى تأمين بيئة تقرر إسرائيل أنها صالحة لانسحابها وإعادة انتشارها خارج الحدود، أو إلى التزام لبنان بعدم تدخل إيران، وبرنامج صارم قائم على الأداء. وقد ثبت أن لبنان يعجز عن ذلك كله؛ فإذاً، على ماذا تم الاتفاق؟!
ويمكن إدارة الفهم باتجاه آخر حين نفكر بأن إقحام الولايات المتحدة بدورٍ في رقابة تدفق الأموال إلى منظمات وكيانات وأفراد، وتأكيد ترمب على ضرورة الدور السوري المرافق لإنهاء حالة العداء اللبناني الإسرائيلي، التي تعني، من جهة إسرائيل، إقالة مخاوفها من مجموعات سورية مسلحة قد تشكل خطرًا عليها، في مقابل طمأنة الجانب السوري بأن قلقًا من هذا الاتجاه لم يعد موجودًا، يأتي ضمن خطة حصر مجموعات حزب الله في نطاق منطقة تنحصر بين نفوذ القوة الأمريكية الإسرائيلية وحدود مقدار التحرز السوري. وهنا نقول لجماعات "السيادة" و"الشرعية"، وغيرها من جماعات الهجوم لأجل الهجوم فقط: "لقد بات العدو في أحضانكم". والعدو هنا هو إيران وأذرعها.
وفيما يتعلق بجولة روبيو، التي سارت ضمن رؤية التفكيك والتركيب هذه، والتي سعت إلى إجهاض محاولة السعودية تفادي نتيجة كهذه ودعمها لبنان، بل وسحب نفوذ تحالفها معه، فإن جولة روبيو، التي استثنت السعودية، لم تكن تنظر إلى غير هذه المصلحة، التي أُريد منها التسلل في طبيعة العلاقات بين الإمارات والسعودية إلى منطقة إنشاء خط خليجي داعم لفكرة عزل أي محاولة سعودية للتخلص من سطوة الولايات المتحدة، بما يشمل ذلك جهود السعودية في ضم هذه الدول، وما يسير في حلفها، إلى توجهها هذا، ولو كان ذلك بتغيير التكتيكات على الأرض، ومع خصوم الأمس. أما مسألة طمأنة هذه الدول حول الاتفاق الأمريكي الإيراني، وحماية مصالح الحلفاء الذين غيّروا حساباتهم بعد ضربات إيران، فلا تتعدى كونها "علبة مزخرفة" تحمل "قنبلة" في داخلها.
لقد كانت تصريحات بري حول الدعم العربي مطلّة، دون أن ترى، على مخاوف من إزاحة السعودية من المشهد اللبناني، وهو ما يعني انهيار كل محاولات الاستفادة من مواقف التأرجح إذا انكشف لبنان باستفراد الولايات المتحدة وإسرائيل به، بعد تخفيف الضغط على الجيش الإسرائيلي ونقله إلى لبنان بكل تفاصيل مؤسساته. وهو ما حاول قاليباف استدراكه باتصاله الأخير مع بري، ليس لحماية بري، الذي كان سببًا رئيسيًا في هذه الانزلاقة، بل لأن لبنان بات نقطة الارتخاء الوحيدة التي يمكن لترمب العبث بها، وإنجاح مساعي تربصه بإيران.
* كاتب أردني