الجمعة, 10 يوليو 2026
157
ليست كل البطولات تقاس بمن حمل الكأس فهناك بطولات تكشف من يعمل للمستقبل ومن يملك مشروعا حقيقيا ومن يكتفي بالحضور ثم يغادر بصمت وهذه النسخة من كأس العالم كانت مختلفة بالنسبة لكرة القدم العربية لأنها أكدت أن المنتخبات العربية لم تعد تدخل المنافسة لمجرد المشاركة بل أصبحت قادرة على فرض شخصيتها ومقارعة أكبر مدارس كرة القدم في العالم.
ما قدمته المنتخبات العربية منح الجماهير شعورا بالفخر لأن الجميع شاهد منتخبات تلعب بثقة وشجاعة ولم تعد تخشى الأسماء الكبيرة وهذا التطور لم يأت من فراغ بل جاء نتيجة سنوات من العمل والاستثمار في اللاعبين والأجهزة الفنية والبنية الرياضية ورغم اختلاف النتائج فإن الرسالة كانت واحدة وهي أن الكرة العربية أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى منافسة الكبار.
المغرب أكد مرة أخرى أنه لا يعيش على إنجاز عابر بل يسير وفق مشروع متكامل يعرف ماذا يريد ومن يتابع الكرة المغربية خلال السنوات الماضية يدرك أن الوصول إلى الأدوار المتقدمة لم يعد مفاجأة بل أصبح نتيجة طبيعية لعمل طويل بدأ من الفئات السنية ووصل إلى المنتخب الأول وحتى أمام فرنسا خرج المغرب مرفوع الرأس لأنه لعب بشخصية منتخب يعرف قيمة نفسه ولم يمنح منافسه أي مباراة سهلة وهذا النجاح لا يخص المغرب وحده بل يمنح بقية المنتخبات العربية نموذجا يستحق الدراسة والاستفادة.
أما بقية المنتخبات العربية فقد خرج كل منها بدروس مهمة بعضها يحتاج إلى مزيد من الاستقرار الفني وبعضها يحتاج إلى تطوير الجانب البدني وبعضها يحتاج إلى خبرة أكبر في التعامل مع المباريات الكبيرة لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق في كأس العالم.
لكن إذا كان هناك منتخب استحق أن يتحدث عنه الجميع فهو منتخب مصر.
هذا المنتخب أعاد إلى الجماهير الإحساس بالهوية المصرية التي افتقدناها سنوات طويلة منتخب يقاتل على كل كرة ولا يستسلم ولا يدخل أي مباراة وهو يشعر أنه أقل من منافسه بل يفرض شخصيته ويحاول الفوز حتى اللحظة الأخيرة وقد نجح حسام حسن في إعادة الروح إلى اللاعبين وغرس عقلية التحدي داخل المجموعة وهو أمر كان واضحا لكل من تابع مباريات المنتخب.
منتخب مصر لم يصل إلى هذا المستوى بالحظ بل بالعمل والانضباط والروح الجماعية وقدم مباريات كبيرة أمام منتخبات تملك خبرة عالمية وكان قادرا على الوصول إلى مراحل أبعد لو سارت الأمور بعدالة كاملة داخل أرض الملعب.
ومن وجهة نظري فإن المنتخب المصري تعرض لظلم تحكيمي مؤثر أمام الأرجنتين وكان لهذا الظلم أثر مباشر في تغيير مجريات المباراة وفي حرمان المنتخب من فرصة عادلة لمواصلة مشواره وهذا ليس انتقاصا من المنتخب الأرجنتيني ولا من قيمة لاعبيه وإنما دفاع عن مبدأ بسيط وهو أن البطولات الكبرى يجب أن تحسمها أقدام اللاعبين لا القرارات التي تبقى محل جدل حتى بعد إطلاق صافرة النهاية.
قد يختلف البعض مع هذا الرأي لكنني أرى أن منتخب مصر لم يحصل على الإنصاف الذي استحقه وأن الأداء الذي قدمه طوال البطولة كان كافيا ليمنحه فرصة الاستمرار وأن الجدل الذي رافق تلك المباراة لم يكن وليد مشاعر الجماهير المصرية وحدها بل امتد إلى كثير من المتابعين الذين رأوا أن بعض القرارات كان لها تأثير واضح في النتيجة النهائية.
ورغم ذلك فإن الإنصاف يفرض علينا أيضا أن ننظر إلى أنفسنا لأن البطولات الكبرى لا تربح بالعاطفة وحدها وقد كشف المنتخب عن نقطة تحتاج إلى علاج سريع وهي إدارة الدقائق الأخيرة من المباريات ففي أكثر من مواجهة تراجع التركيز وانخفض النسق البدني وبدأت المساحات تظهر بين الخطوط وأصبح الفريق يتراجع أكثر من اللازم بدلا من الاحتفاظ بالكرة وفرض إيقاعه على المنافس وهذه تفاصيل قد تبدو بسيطة لكنها في كأس العالم تصنع الفارق بين التأهل والخروج.
الجهاز الفني مطالب بالعمل أكثر على هذه الجزئية لأن المنتخب أصبح يملك شخصية واضحة ويملك عناصر قادرة على المنافسة لكنه يحتاج إلى التعامل مع الدقائق الأخيرة بعقلية المنتخبات الكبيرة التي تعرف كيف تقتل المباراة وتحافظ على تفوقها تحت الضغط.
ما خرجت به من هذه البطولة أن الكرة العربية تسير في الطريق الصحيح وأن المغرب يواصل تثبيت مكانته بين كبار العالم وأن مصر استعادت شخصيتها وهيبتها وأن المستقبل قد يكون أفضل إذا استمر العمل بنفس الجدية وتمت معالجة الأخطاء التي كشفتها البطولة.
قد ينسى الناس نتائج بعض المباريات لكنهم لا ينسون المنتخبات التي لعبت بشرف وتركت أثرا في قلوب جماهيرها وهذا ما فعله منتخب مصر لأنه أعاد الثقة إلى جماهيره وأثبت أن العودة إلى منصات الإنجاز ليست حلما بعيد المنال بل هدفا يمكن الوصول إليه إذا استمر المشروع الحالي وتوفرت العدالة داخل الملعب قبل أي شيء آخر.