سؤال ظل يتردد صداه طوال شهور المواجهة الإقليمية الأخيرة، وورد بصيغ مختلفة من أكثر من مراقب ومن أكثر من جهة مهتمة بتطورات المنطقة: لماذا لم يُقدم الحوثيون، رغم امتلاكهم القدرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، على إغلاق المضيق إغلاقًا شاملًا ومستدامًا؟ ولماذا لم تدفعهم إيران إلى استخدام هذه الورقة إلى أقصى مداها؟
ولعلّ الإجابة عن هذه التساؤلات لا تكمن في غياب القدرة لدى الحوثيين، ولا في غياب الرغبة الإيرانية في توظيفها، بل في الكلفة الباهظة لاستخدام تلك القدرة إلى أقصى مداها.
فإغلاق باب المندب ليس مجرد تصعيد عسكري، بل انتقال بالصراع إلى مستوى يضع إيران والحوثيين في مواجهة ثلاث دوائر متداخلة من الشرعية والقوة: الدولية والإقليمية واليمنية.
ولهذا فإن باب المندب ليس مجرد ممر جغرافي في سياق صراع محلي، بل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح دولية وإقليمية ويمنية، وتجعل أي محاولة لإغلاقه محكومة بردود فعل تتجاوز حدود اليمن والمنطقة.
- الشرعية الدولية وحدود التصعيد
يمثل باب المندب أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأي محاولة لإغلاقه ستُفهم باعتبارها اعتداءً مباشرًا على حرية الملاحة الدولية، لا مجرد تطور جديد في الصراع اليمني أو الإقليمي.
وقد أظهرت الولايات المتحدة وبريطانيا استعدادهما لاستخدام القوة العسكرية لحماية الملاحة بعد الهجمات المتكررة على السفن. كما عكست التفاهمات التي جرت بوساطة عُمانية بين واشنطن والحوثيين إدراكًا متبادلًا بأن الانزلاق إلى مواجهة بحرية مفتوحة يحمل كلفة لا يرغب أي طرف في تحمّلها.
وهنا تبدأ حدود المغامرة؛ فإيران والحوثيون يدركون أن الانتقال من التعطيل المحدود إلى محاولة إغلاق المضيق قد يؤدي إلى ردود أوسع وأكثر إيلامًا، ويحوّل الملف من أزمة أمن بحري قابلة للاحتواء إلى مواجهة دولية مباشرة.
ولا تعمل الشرعية الدولية في فراغ؛ فالمصالح الدولية تتقاطع مع حسابات قوى إقليمية ترى في باب المندب امتدادًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
- المصالح الإقليمية وحسابات أمن الطاقة
اكتسب خط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب أهمية متزايدة باعتباره أحد أهم البدائل الاستراتيجية لتجاوز مخاطر مضيق هرمز. غير أن جزءًا مهمًّا من النفط والمنتجات التي تصل إلى موانئ البحر الأحمر يحتاج في النهاية إلى المرور عبر باب المندب في طريقه إلى الأسواق الآسيوية.
ومن ثم، فإن إغلاق باب المندب لا يهدد التجارة العالمية فقط، بل يمس بصورة مباشرة أحد أهم البدائل التي بنتها السعودية لتقليل اعتمادها على هرمز.
ويدرك الحوثيون أن الانتقال من التعطيل المحدود إلى خنق الملاحة بصورة شاملة قد يدفع الرياض إلى إعادة النظر في سياسة ضبط النفس، وإلى اعتبار وجود الحوثيين على ساحل الحديدة تهديداً مباشرًا للأمن الإقليمي وأمن الطاقة.
فإذا كان خط الشرق–الغرب قد صُمم لتقليل الارتهان لمضيق هرمز، فإن إغلاق باب المندب سيعني عمليًا نقل الاختناق من بوابة الخليج إلى البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
وهنا تتصل الحسابات الإقليمية بالجغرافيا اليمنية اتصالًا مباشرًا؛ فالساحل الغربي ليس مجرد مساحة للضغط على الملاحة، بل جزء من معادلة سياسية وعسكرية يمكن أن تتغير إذا تجاوز التهديد حدودًا معينة.
- الحديدة والجغرافيا اليمنية للردع
في عام 2018 اقتربت القوات المشتركة من استعادة مدينة الحديدة ومينائها، قبل أن يوقف اتفاق ستوكهولم معركة المدينة ويجمّد جبهة الساحل الغربي. وبصرف النظر عن الجدل حول الاتفاق ونتائجه، فقد احتفظ الحوثيون عمليًا بالحديدة وموانئها طوال السنوات الماضية.
غير أن الحسابات التي جمّدت معركة الحديدة ليست ثابتة إلى الأبد. فمحاولة تحويل باب المندب إلى ورقة ابتزاز عالمية قد تعيد تشكيل البيئة السياسية والإقليمية والدولية التي أحاطت بالحديدة منذ اتفاق ستوكهولم.
ويزداد هذا الاحتمال أهمية بعد انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، بما يعني أن أحد الأطر السياسية والدبلوماسية الرئيسية التي ساهمت لسنوات في تجميد جبهة الساحل الغربي لم يعد قائماً بالصورة السابقة.
فمحاولة إغلاق المضيق أو فرض حصار بحري واسع قد تعيد تحريك ملف الحديدة، وتدفع إلى إعادة النظر في بقاء الساحل الغربي تحت سيطرة الحوثيين، بما يفتح المجال أمام قوات الشرعية اليمنية لاستئناف التقدم بدعم دولي وإقليمي أكثر حزمًا.
ولا يعني ذلك أن قرارًا باستعادة الحديدة قد اتُّخذ، بل إن مجرد احتمال تحريك هذا الملف يمثل في ذاته عنصرًا من عناصر الردع.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالحديدة تمنح الحوثيين قدرة على تهديد الملاحة، لكن التلويح بتحويل هذا التهديد إلى إغلاق شامل قد يعيد إلى الواجهة احتمال فقدان الحديدة نفسها.
وبذلك لا تعود الشرعية اليمنية مجرد طرف محلي في الصراع، بل تصبح ركنًا أساسيًا في معادلة الردع المرتبطة بأمن باب المندب والبحر الأحمر.
يمثل الحوثيون بالنسبة إلى إيران أداة ضغط جيوسياسية مهمة، تمنحها قدرة على تهديد خصومها من جغرافيا بعيدة عن أراضيها وبكلفة مباشرة محدودة نسبيًا.
غير أن قيمة الوكيل، في الحسابات الإيرانية، لا تكمن في استخدام كل ما يملكه من قدرات دفعة واحدة، بل في الاحتفاظ بقدرة مستمرة على التهديد والردع والمساومة. فالورقة التي تُستنفد في مواجهة شاملة تفقد كثيرًا من قيمتها، بينما تظل القدرة غير المستخدمة مصدرًا دائمًا للضغط.
ولهذا قد يكون التهديد بإغلاق باب المندب أكثر فائدة لطهران من الإغلاق نفسه، كما أن تعطيل بعض السفن قد يكون أكثر جدوى من مواجهة تهدد مكاسب الحوثيين على الساحل الغربي.
ولهذا لا تنفصل حسابات إيران عن حسابات الحوثيين؛ فكلاهما يدرك أن قيمة الورقة البحرية تكمن في الضغط من دون تجاوز النقطة التي توحّد القوى الدولية والإقليمية واليمنية ضدها. فالتصعيد المحسوب قد يوسع النفوذ، أما استنفاد الورقة إلى أقصى مدى فقد يحولها من مصدر قوة إلى عبء استراتيجي.
- باب المندب بين الردع والحاجة إلى البدائل
إن معضلة إيران والحوثيين ليست في امتلاك القدرة على تهديد باب المندب، بل في عدم القدرة على استخدام تلك القدرة بلا حدود. فكل خطوة نحو تحويل المضيق إلى أداة ابتزاز شامل تزيد احتمال توحيد الشرعيات الدولية والإقليمية واليمنية ضد هذا المشروع.
ولهذا لا يبقى باب المندب مفتوحًا بقوة الجغرافيا وحدها، ولا بحضور الأساطيل فقط، بل أيضًا بقوة الحسابات والردع وكلفة المغامرة.
غير أن هذه الشرعيات، على أهميتها، ليست ضمانة دائمة؛ فالمضائق ستظل عرضة للابتزاز ما دام العالم يعتمد عليها بصورة مفرطة.
ولهذا لا يكفي الردع وحده؛ فبناء البدائل وتقليل الاعتماد على المضائق يظل الضمانة الأكثر استدامة لأمن التجارة والطاقة.
ولهذا عادت الدعوات إلى تطوير مزيد من خطوط الأنابيب والبنى البديلة القادرة على تقليل هشاشة الاقتصاد العالمي أمام مخاطر المضائق.
فالدرس الأهم ليس فقط كيف نحمي المضائق، بل كيف نقلل من قدرتها على احتجاز العالم رهينة لتقلبات الجغرافيا والسياسة.
إن باب المندب مفتوح اليوم بقوة الردع والحسابات، لكنه لن يكون آمنًا على الدوام إلا إذا نجح العالم أيضًا في بناء قدر أكبر من المرونة الاستراتيجية، وتقليل اعتماده المفرط على جغرافيا الاختناق، عبر تطوير مزيد من البدائل التي تجعل أمن التجارة والطاقة أقل ارتهانًا للمضائق البحرية.