أخر تحديث للموقع
الثلاثاء, 14 يوليو 2026 - 01:44 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • نكف بن فدغم.. بين المطالب القبلية وآمال اليمنيين في التحرير

    د. فضل العزب




    ليست قيمة الأحداث بما يبدو منها للوهلة الأولى، وإنما بما تختزنه من دلالات، وما تفتحه من أبواب للتأمل، وما تتركه في ضمير الشعوب من أثر. ولهذا لم يكن"نكف بن فدغم" مجرد استجابة قبلية لقضية محددة، بل أصبح حدثًا تجاوز حدوده الجغرافية، وأعاد إلى واجهة المشهد اليمني أسئلة كبرى ظلت معلقة طوال سنوات الحرب: هل ما زالت القبيلة قادرة على التأثير في مسار الأحداث؟ وهل يستطيع المجتمع اليمني أن يستعيد زمام المبادرة بعد أعوام من الاستنزاف؟ وهل تحمل مثل هذه التحركات بذور تحول وطني، أم أنها ستبقى محصورة في إطار مطالبها المباشرة؟

    هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي انعكاس لحالة شعب أنهكته الحرب، وتآكلت ثقته بالحلول المؤجلة، وأصبح ينظر إلى كل حراك واسع بوصفه احتمالًا لولادة أمل جديد. ومن هنا جاءت الأهمية السياسية والاجتماعية لهذا النكف، لا لأنه أعلن مشروعًا للتحرير، وإنما لأنه كشف عن استمرار حيوية المجتمع وقدرته على الالتفاف حول قضية يراها عادلة.

    ومن الإنصاف التأكيد على أن المطالب المعلنة لهذا الحراك ارتبطت بقضية محددة، ولم يصدر عنه حتى الآن إعلان رسمي عن مشروع عسكري شامل أو خطة لتحرير مناطق بعينها. ولهذا فإن أي حديث عن تحول النكف إلى معركة تحرير يظل قراءة سياسية أو توقعًا، لا حقيقة مثبتة. غير أن السياسة لا تُقرأ بالتصريحات وحدها، بل أيضًا بما تتركه الأحداث من آثار في الوعي العام، وبما تتيحه من احتمالات قد تتبلور أو تتلاشى وفق تطورات الأيام المقبلة.

    لقد أظهرت السنوات الماضية أن اليمن لا يعاني نقصًا في الرجال ولا في الشجاعة، وإنما يعاني غياب المشروع الوطني الجامع، وتشتت مراكز القرار، وتداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية. ولذلك فإن أي تحرك، مهما بلغت قوته، لن يحقق تحولًا تاريخيًا ما لم يتحول إلى رؤية وطنية تتجاوز حدود اللحظة، وتضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار.

    إن "نكف بن فدغم" أعاد التذكير بحقيقة كثيرًا ما غابت عن النقاشات السياسية، وهي أن المجتمع اليمني ما زال يحتفظ بطاقة كامنة، وأن روح التضامن لم تمت رغم سنوات الحرب والفقر والانقسام. لكن هذه الطاقة تحتاج إلى قيادة رشيدة، وإلى مشروع جامع، حتى تتحول من مجرد حشد إلى قوة إصلاح وبناء.

    ويبقى الأمل أن تكون مثل هذه الأحداث حافزًا لإحياء الحوار الوطني، وإعادة الاعتبار للدولة والعدل وسيادة القانون، لا سببًا لإطالة أمد الصراع. فاليمن لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر بقدر حاجته إلى انتصار الجميع للوطن، وإلى إنهاء الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وصيانة كرامة الإنسان.

    وفي النهاية، سيظل "نكف بن فدغم" حدثًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، وستحكم الأيام على مآلاته. أما الثابت الذي لا يختلف عليه اثنان، فهو أن اليمنيين يستحقون نهاية تليق بتضحياتهم، وأن وطنًا بهذا التاريخ لا ينبغي أن يبقى أسير الحرب إلى ما لا نهاية.

المزيد من مقالات (د. فضل العزب)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال