الأحد, 09 أغسطس 2026
111
في مسيرة أي جماعة أو كيان نضالي، تمر الشعوب بلحظات استثنائية تمتحن فيها معادن الرجال، وتتقلب فيها الموازين.
وليس العبرة بمن يختلف في الرأي أو يغادر الطريق، فهذا أمر مشروع بل وطبيعي في أي حركة سياسية أو فكرية.
ولكن العبرة الأشد إيلاماً، والأكثر جرحاً في العمق، هي بمن يحوّلون اختلافهم إلى عدوان، وانتماءاتهم الجديدة إلى سوط يجلدون به جذورهم القديمة ورفقاء دربهم.
إنها ظاهرة تستحق التوقف عندها، ليس للتصنيف أو التخوين، بل لفهم أعماقها النفسية والسياسية، ولرصد تحولات النفوس حين تخلع ثوب الوفاء وتستبدله بثوب الكراهية، مدفوعة بأهواء تارة، وبمصالح تارة أخرى، وبعدم القدرة على احتمال نجاح الآخرين تارة ثالثة.
في لحظات التحولات والتقلبات، تتجلى معادن الرجال، وتختبر حقيقة الانتماء.
وما أشد مرارة أن نرى من تنكروا للكيان الذي احتضنهم، للحزب الذي علمهم أبجديات السياسة، وللتنظيم الذي صقلهم في مدرسة النضال والمواقف وصنع منهم قادة وشخصيات وازنة.
إنه مشهد مؤلم أن يتبرأ المرء من رفاقه، أولئك الذين اقتسموا معه التعب والمخاطر، رفاق النضال والمصير المشترك ، وكانوا له سنداً وصوتاً واحداً في أصعب الظروف.
ثم يصبحون فجأة غرباء، وكأن سنوات العمر والدماء لم تكن، وكأن الماضي المشرف لا يستحق الذكرى. تنكروا للرفاق، تنكروا لمن كانوا بالأمس القريب سنداً، وصاروا اليوم خصوماً، وكأن شيئاً لم يكن بينهم.
ولسنا بحاجة إلى استغراب كثير، فالانتماء الحقيقي ليس سلعة تباع في أول منعطف، والماضي المشرف لا يُدفن تحت رمال النسيان.
لكن بعض النفوس تظن أن التخلي عن جذورها، وإنكار ماضيها، هو طريقها إلى المكانة، وأن التبرؤ من الرفاق يمنحها مظهراً جديداً "أنقى" وأكثر حداثة.
غير أن المفاجأة الأكبر أن الإنكار والتنكر لم يعد كافياً عند بعضهم، بل تجاوزوه إلى مهاجمة الكيان الذي احتضنهم، وإيذاء الرفاق الذين اقتسموا معهم الخبز والملح والمخاطر.
إنهم لا يكتفون بخلع هويتهم، بل يحاولون هدم ما كانوا جزءاً منه، وكأنهم في سباق محموم لإثبات ولائهم لقيادتهم الجديدة.
فما الذي يدفعهم إلى تغيير جلودهم بهذه القسوة، وتجاوز حدود النسيان إلى الإيذاء؟.
الحقيقة أن الدوافع تتشابك وتتباين، بين نفسية ومادية.
فمنهم من يدفعه الخوف من ماضيه، فيظن أن إنكار أصله وجذوره السياسية والفكرية ومهاجمته لرفاق الأمس كفيل بتبرير انتمائه الجديد.
ومنهم من تقوده الانتهازية، فيتخذ من الهجوم على رفاق الأمس جسراً للتقرب من خصومهم.
ومنهم من لا يحركه سوى المال والجاه والمنصب، فيبيع أغلى ما يملك - رفاقه ومبادئه - بثمن بخس، واهماً أن مناصب زائلة أو أموالاً فانية تشتري له كرامة افتقدها، أو مكانة لن يمنحه إياها إلا الوفاء.
لكن هناك سبباً آخر ربما يكون الأكثر إيلاماً، وهو أنهم لا يطيقون رؤية رفاقهم العصيين عن الترويض، أولئك الذين رفضوا الانكسار أو المساومة، يحظون بمكانة رفيعة وسمعة طيبة.
فتراهم يغتاظون من نجاح من كانوا بالأمس شركاء درب، ويضيقون ذرعاً بتقدير الآخرين لهم، فيتحول ذلك الغيظ إلى عداء ممنهج، وكراهية متزايدة، وكأنهم يريدون أن يمحوا من الوجود كل من يشهد عليهم بماضٍ كانوا فيه غير ما هم عليه اليوم.
إنهم يحوِّلون أولئك الرفاق إلى خصوم، ليس لأن بينهم خلافاً حقيقياً، بل لمجرد أنهم ظلوا على عهدهم وثباتهم. واللافت أن هذا الصنف من البشر، حين يغير ولاءه، يصبح ملكياً أكثر من الملك، متعصباً أكثر من أسياده الجدد، كأنه يحاول أن يمحو أثره القديم بفائض من الحماس الزائف، وكأنه يريد أن يثبت لسيده الجديد أنه أخلص من أهل البيت أنفسهم.
فيبالغ في الهجوم على ماضيه ورفاقه، ظناً منه أن ذلك سيمنحه قبولاً أوسع، متناسياً أن التاريخ لا يشتريه المال، ولا تبرره المناصب، ولا يخدع بالادعاءات.
ويغفل هؤلاء جميعاً أن الأصيل يُعرف بأصوله، وأن الفخر ليس في التملص من هويتك، بل في أن تظل وفياً لمن صنعك وقادك وساندك.
يصل الأمر ببعضهم إلى حد الإيذاء المباشر للرفاق، وهي محاولة يائسة لطمس الأدلة على ماضٍ كانوا فيه شركاء، أو رغبة في إرضاء عقيدتهم الجديدة التي تفرض عليهم البراءة من كل ما سبق.
لكنهم يغفلون حقيقة ثابتة: من يهاجم جذوره يقطعها، ومن يؤذي رفاقه يخسر إنسانيته.
فالتاريخ ليس مجرد صفحات تُطوى، بل هو مرآة تعكس حقيقة الإنسان في كل زمان.
والمواقف التي جمعتهم بالكيان والرفاق ليست سجلاً يمكن محوه، بل هي نقوش محفورة في الذاكرة الجمعية.
صحيح أن تغيير المسار حق مشروع لكل إنسان، ولكن تحويل ذلك التغيير إلى عدوان على كيان احتضنك ورفاق ساندوك، هو سقوط أخلاقي لا يُغتفر.
فالنضال الحقيقي لا يُقاس بعدد الأعداء الذين تصنعهم، بل بعدد الأوفياء الذين تحتفظ بهم.
فلينكر المتنكرون ما شاؤوا، وليتنكروا كما يحلو لهم، وليهاجموا من شاؤوا.
فالتاريخ لا ينسى، والمواقف لا تموت، والكيان يبقى شامخاً بإنجازاته ورجاله الأوفياء.
وما يفعله أولئك المتنكرون اليوم، من مهاجمة الكيان وإيذاء الرفاق، لن يزيدهم إلا انكشافاً. فالنفوس الكبيرة لا تحتاج إلى الانتصار على ماضيها بهدمه، بل باستيعابه والاعتزاز بمنجزاته، والاستمرار في طريق الوفاء مهما تغيرت الظروف.
ويبقى المناضل الحقيقي معتزاً بماضيه، فخوراً برفاقه، مؤمناً بأن من يركض خلف السراب يظل عطشان، ومن يتشبث بجذوره يبقى شامخاً كالنخلة.
أما أولئك الذين استبدلوا الإنكار بالهجوم، والنسيان بالإيذاء، والوفاء بالمال والمنصب الزائل، واغتاظوا من نجاح رفاقهم الصامدين، فسيظلون مُطارَدين بأسئلة التاريخ الذي لا يغفر لمن ينكر من كان، ولا ينسى لمن يؤذي من أحبوه.