الثلاثاء, 11 أغسطس 2026
73
هل آن الأوان لنقول: «ضاقت، فلما استحكمت حلقاتها، فرجت، وكنت أظنها لا تفرج»
أم أن لنا أن نقول:«اشتدي أزمةً تنفرجي»؟
كلا القولين نوعٌ من تمني الحالم بهطول مطر غزير بعد انقطاعه، بسبب من خرّب معادلات الطبيعة أو حياة المواطن، لتبدأ رحلة التيه للإنسان في البحث عن مخرج من كارثة لا دخل له فيها، لكنه مجبر على تحملها شقاءً وعذابًا، وليبدأ السؤال الأبدي: وما الحل؟
إذن هنا تبدأ المفارقات والعجائب، وبدلًا من مواجهة حقيقية للمشكلة والأزمة، يفاجأ الناس بتعمق مظاهرها، وأنكى تعابيرها اللجوء إلى عنصر القوة، وعبرها يتسيد طرف ما أو أطراف بعينها صدارة المشهد. كلٌّ يحتكر الحقيقة، ويعتبر ذاته إلهًا لا إله سواه.
وهكذا دواليك، دارت بلادنا طيلة عقدين ونيف من الزمن بين متاهات: أما الإمام المبشر بالجنة من مران حتى أقاصي الأرض، أو التمثل بالزعيم الفذ أو الرمز الفلتة التي ما رأى الدهر مثلها، وسيأتي بالجنوب، والجنوب العربي تحديدًا، على طبق ليس من فضة، ولكن من جواهر نادرة.
وبين هذين المنولوجين، تدحرجت على الأرض شرعية ما أنزل الله بها من سلطان، تقطن خارج الديار، ويسيجها القرار الأممي 2216، المركون داخل أدراج منظمة دولية أصدرته، لكنها مرفوعة من الخدمة، كما رُفعت خدمات الكهرباء والرواتب والأمن، والذي منه، في بلادنا.
وإلى جانب شرعيتنا الموقرة، استبشرنا خيرًا مع بروز فنيق الجزيرة والخليج سندًا للشرعية في مواجهة كسرى أنوشروان وفيلق جبل مران، تحالفٍ مدعومٍ بمنظومة دولية، تؤازرها مظلة اللجنة الرباعية: أمريكا، وبريطانيا، والسعودية، والإمارات، وحامل بريدها كل ستة أشهر مبعوث الأمم المتحدة لاجتماعات مجلس الأمن.
وهكذا استمر بنا الحال أكثر من اثني عشر عامًا، وملف بلادنا «محلك سر».
واليوم، وعلى أصوات هدير حرب المضايق الضروس، ومفاجآت تاج كسرى، وهوس ترامب الدائخ تحت أوجاع تورط استعجالي، تزفه تراميم خارطة إبراهيمية للشرق الأوسط الجديد، وعلى أنغام وقاعات الحلف الجديد، تنامى إلى أسماعنا أن المملكة أعادت تحريك همة المبعوث الأممي ليعيد الغوص في مياه ملف اليمن الراكد بدهاليز وأقبية مجلس الأمن المفرط في نومه اللذيذ، بعدما أحاله ترامب للتقاعد المبكر.
ومع ذلك نقول: لعل وعسى.
لكننا على يقين، ومن واقع الإيقاع البطيء والممل للانتهاء من كابوس الحرب الدائرة حول ملف هرمز، بأن كافة ملفات المنطقة المضطربة ستتحرك دفعة واحدة؛ من اليمن إلى الصومال إلى السودان، إلى ليبيا، وضمن معزوفة داوود لتسوية ملف القضية الفلسطينية.
وأي انحراف يتبدى لعلاج قضية فلسطين خارج قيام الدولة الوطنية الفلسطينية، لن يحل باقي الملفات العالقة، بضمنها ملف بلادنا.
إذ باتت كل المؤشرات تؤكد أن الصراع القادم صراع مصالح اقتصادية كبرى: طاقة، وغاز، وهيمنة على المضايق البحرية. وملامح صراع دولي بات يتخذ أشكال تحالفات انتقلت من اللعب على إثارة المكونات والبنى إلى مرحلة تحالفات تتشكل معها محاور تكبح جماح الهيمنة الصهيوأمريكية، وهندسة عولمة نيوليبرالية بقيادة أمريكا، تجدد جوهر سايكس ـ بيكو بغطاء تلمودي الهوى، صهيوني التوجه، تحت قيادة وهيمنة رأسمالية الإقطاع التكنولوجي الصهيوأمريكي.
والغرب يبارك على مضض، بعد إزاحته من مركز القيادة، وباقي العالم يدفع ثمن الحرب على إيران، ومآربها الانتهازية، في مرحلة مستجدة نحو صياغة عالم آخر جديد، تذوب فيه الكيانات الصغيرة لتبقى إسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الكبير حتى غرب آسيا، عالم الكيانات الكبرى.
الهند، مع ما يعنيه صعود الصين وصراع التفرد والريادة مع أمريكا، كما أن روسيا تمكنت من الإفلات من الحصار الغربي لتلعب دورها في إعادة تشكيل خارطة أوروبا.
أما العرب، فحدث ولا حرج.
سودان مقسم، وليبيا يُحدد مصيرها وفق توازنات مصالح من كانوا وراء تقسيمها، والعراق ما يزال مشروع بريمر يلوح في الأفق، أما سوريا فمنطقة نفوذ تركي، ولبنان بات ضحية تكوينه التاريخي.
أما تركيا، فقد بدأ لسانها يطول من الأناضول مرورًا بسوريا، ليتعزز وجودها ضمن حلف ثلاثي سعودي ـ باكستاني ـ تركي. أما اتفاقية الدفاع العربي المشترك، فيرحمها المولى، والجامعة العربية، أمينها العام الهمام، بتاريخه المشرف، يخوض معارك غير متكافئة مع كتل أخرى.
الاتحاد الأوروبي، وتركيا عضوة فيه، والاتحاد الإفريقي بات يمثل حالة متقدمة عن جامعة الدول العربية.
وتبقى مصر، بموقعها وثقلها، هي ما تبقى من قوة للعرب، تحارب تحديات على أكثر من صعيد، من باب المندب إلى صراعات البحر الأحمر، إلى محاولات خنق قناة السويس.
ولعل ما يُخطط له لمد مسار منافس لقناة السويس، بدءًا من شواطئ الهند عبر تسهيلات إماراتية، وصولًا إلى موانئ على ما تبقى من غزة، كارثة... وأي كارثة!
ضمن هكذا أوضاع إقليمية ودولية معقدة، سيتم التعامل مع كافة الملفات الساخنة، بما فيها ملف بلدنا بتعقيداته الداخلية وتشابكاته الدولية والإقليمية.
ولن تجدي نفعًا أي معالجات ما لم تنطلق معالجات وطنية من رؤية وطنية شاملة، شمالًا وجنوبًا.
وهنا ستكون الشرعية اليمنية مطالبة بإعادة تسوية أوضاعها الداخلية، للخروج مما ينتاب خطابها من مفارقات، وأداءها من تضارب وتباينات.
أما فيما يتعلق بالطرف الحوثي، فلا مناص من العودة به كمكوّن وطني على الأرض، يشكل جزءًا من رؤية وطنية توافقية للخروج بالبلاد وشعبها إلى بر الأمان.
وختامًا، لا حل حقيقي لأزمة بلادنا إلا بانتهاء حالة الحرب، والتوافق الوطني لن يتحقق ما لم تكن القضية الجنوبية عموده الفقري، عبر ممثليها الآتين من خلال مؤتمر حوار وطني شامل، يسبقه مؤتمر حوار جنوبي ـ جنوبي شامل وجامع، بعيدًا عن أي استثناءات أو صراعات جانبية أو استقطابات، سواء من أطراف الجوار أو الأطراف الإقليمية أو الدولية.
وكفى ما كان وحدث.