أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:58 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • نحن أمة لا تشبه تعاليم دينها

    علي محمد سيقلي




    ليس مؤلمًا أن يختلف الناس في أفكارهم، فاختلافهم جزء من طبيعتهم، المؤلم أن يكون بين أيدينا طريق واضح، ونظل نمشي في الاتجاه المعاكس، نقرأ عن الرحمة، ثم نمارس القسوة.

    نتحدث عن العدل، ثم نبحث عن استثناء لأنفسنا، نطالب بالصدق، ثم نختلق الأعذار عندما نكذب، نرفع راية الأخلاق عاليًا، ثم نتركها عند أول اختبار حقيقي.

    وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقاتنا إيلامًا: نحن أمة لا تشبه تعاليم دينها.

    لدينا دين جعل الرحمة أصلًا من أصول التعامل، وجعل كف الأذى عن الناس عبادة، وربط الإيمان بالأخلاق والمعاملة، لكننا أحيانًا نتعامل مع بعضنا وكأن كل واحد منا في مهمة لإثبات أن الحياة لا تستحق أن تكون سهلة، نغضب بسرعة، نشتم أسرع، نخاصم لأتفه الأسباب.

    ونحوّل الاختلاف البسيط إلى معركة شخصية، ثم نذهب بعد ذلك لنتحدث عن التسامح وكأن الأمر لا يعنينا.

    المشكلة أننا لم نفقد التعاليم، هي موجودة في القرآن، وفي السنن، وفي الكتب، وفي الخطب، وفي ذاكرة الأجيال، نتوارثها ونحفظها عن ظهر قلب، نعرف أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن العفو أقرب للتقوى، وأن الله يأمر بالعدل والإحسان، وأن الإنسان مسؤول عن لسانه ويده.

    نعرف كل ذلك؛ لكننا ارتكبنا خطأً غريبًا: حوّلنا الأخلاق من ممارسة إلى معلومات عامة.

    أصبح بإمكان الإنسان أن يعرف كل شيء عن الصدق، دون أن يكون صادقًا، وأن يتحدث عن الرحمة، دون أن يكون رحيمًا، وأن يشرح للناس معنى التواضع، بينما يرى نفسه فوقهم جميعًا.

    كأننا درسنا المنهج، وفشلنا في الامتحان، خذ أبسط مثال. كيف نتعامل مع العامل الذي يخدمنا؟ مع الموظف الصغير؟ مع عامل النظافة؟ مع البائع؟ مع السائق الذي أخطأ في الطريق؟ مع الإنسان الذي لا نحتاج إليه؟ هنا بالذات تظهر الأخلاق.

    أما أن تكون لطيفًا مع شخص يملك مصلحة تستطيع الحصول عليها منه، فهذه ليست دائمًا أخلاقًا؛ قد تكون مجرد مهارة نفاق اجتماعية.

    الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما لا يكون أمامك سبب لأن تكون محترما، إلا لأنك إنسان، وفي البيت، تصبح المسألة أكثر وضوحًا.

    قد يكون الرجل مؤدبًا أمام الناس، هادئًا في المجالس، لطيفًا مع أصدقائه، لكنه يتحول في منزله إلى شخص آخر.

    صوته أعلى من الجميع، غضبه أسرع من الجميع، وأهل بيته هم آخر من ينالون نصيبهم من لطفه، وقد تكون المرأة كذلك، لطيفة مع الغرباء، شديدة القسوة مع أقرب الناس إليها.

    وهنا السؤال الذي نتهرب منه: ما قيمة الأخلاق إذا كان أقرب الناس إلينا لا يشعرون بها؟ ليس المطلوب أن تكون ملاكًا، لا أحد يستطيع ذلك. لكن أن يعرف أبناؤك أنك قد تخطئ وتعتذر، وأن تعرف زوجتك أنك قد تغضب لكنك لا تهين، وأن يعرف من حولك أنك تختلف دون أن تجرح...

    هذه هي الأخلاق، ثم نخرج من البيت إلى الشارع.

    هناك تختفي كثير من التعاليم الجميلة، طابور الغاز يتحول إلى معركة، والطريق العام إلى حلبة سباق، والإشارة المرورية إلى اختبار للأعصاب، ومن يحاول الالتزام بالنظام يصبح في نظر البعض ساذجًا، ومن يتجاوزه يصبح «فاهم الدنيا».

    يا لها من مفارقة! نشتكي من الفوضى، ثم نساهم في صناعتها، نلعن الفساد والرشوة، ثم نبحث عن الواسطة.

    نطالب بتطبيق القانون، لكننا نريد القانون أن يبدأ بالآخرين وينتهي تحت أقدامنا.

    نريد دولة عادلة، بشرط ألا تحاسبنا، أما السياسة، فقد منحتنا فرصة تاريخية لنكتشف مقدار حبنا للمبادئ عندما تكون في صالحنا.

    إذا كان الآخر في السلطة، تحدثنا عن الظلم، فإذا وصلنا إلى السلطة، اكتشفنا أن الظروف معقدة وغير مهيأة للعدالة، إذا صادر الآخر رأيًا، قلنا: قمع، وإذا فعلنا الشيء نفسه، قلنا: حماية للمصلحة العامة، إذا أخطأ خصمنا، كان خطؤه دليلًا على سوء أخلاقه، وإذا أخطأنا نحن، كانت هناك«ملابسات». نحن لا نغير المبادئ دائمًا... نحن نغير موقعنا منها.

    ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح بإمكان الإنسان أن يكشف أخلاقه للعالم كله وهو جالس في غرفته.

    نكتب عن التسامح ثم نلعن أم من يختلف معنا، نتحدث عن احترام الرأي الآخر ثم نحذف صاحبه من قائمة الأصدقاء لأنه قال جملة لم تعجب القطيع.

    نطالب بحرية التعبير، ثم نريد حرية التعبير مفصلة على مزاجنا، وإذا عجزنا عن الرد على الفكرة، هاجمنا صاحبها، وإذا عجزنا عن هجوم صاحبها، فتشنا في عائلته وعرضه وماضيه ومهنته وشكله، المهم ألا نتركه ينتصر علينا في النقاش، حتى النقاش عندنا أصبح معركة يجب أن يكون لها غالب ومغلوب، مع أن الفكرة ليست شخصًا حتى تنتصر عليه، ولعل أخطر ما حدث لنا أننا أصبحنا نخلط بين التدين والمظهر الديني، ليس كل من أكثر الحديث عن الدين أكثر الناس التزامًا بأخلاقه.

    وليس كل من قصر ثوبه أو أطال لحيته أو حفظ النصوص قد بلغ غاية الفضيلة.

    هذه ليست إدانة للمظاهر، وإنما تذكير بأن المظهر لا يستطيع وحده أن يحمل أخلاق الإنسان. الدين الذي لا يجعلك أكثر رحمة بمن حولك يحتاج منك أن تسأل نفسك: ماذا فهمت منه؟

    والعبادة التي لا تجعلك أكثر تواضعًا وأمانة وعدلًا، ماذا بقي منها في سلوكك؟ فالناس لا يعيشون مع أفكارنا في رؤوسنا، هم يعيشون مع نسختنا الأصلية التي تظهر أمامهم، ولست أقول إننا أسوأ الناس، ففي مجتمعاتنا خير كثير، وفيها أناس يحملون من النبل والكرم والرحمة ما يجعلهم أجمل من كثير من الكلام الذي نكتبه عن الأخلاق؛ لكن المشكلة أن الخير وحده لا يكفي إذا ظل استثناءً.

    نحن بحاجة إلى أن يصبح السلوك الحسن قاعدة لا مفاجأة أو حدث طارئ في حياتنا.أن يكون احترام الآخر أمرًا طبيعيًا، لا مناسبة نتحدث عنها في صلاة الجمعة. أن يكون الصدق عادة، لا بطولة. أن يكون الاعتذار شجاعة، لا هزيمة. أن يكون الاختلاف طبيعيًا، لا سببًا للعداوة. وأن نفهم أخيرًا أن قوة الإنسان ليست في قدرته على إخضاع الآخرين، وإنما في قدرته على ضبط نفسه عندما يستطيع إيذاءهم.

    ربما لا نحتاج إلى خطب جديدة بين صلاة المغرب والعشاء.. ولا إلى آلاف المنشورات التي تخبرنا كيف نكون صالحين.

    نحن نحتاج إلى شيء أصعب بكثير: أن نمارس ما نعرفه..أن ننقل الدين من الكتب إلى الشوارع.. من المنابر إلى البيوت.. من المنشورات إلى السلوك.. من الكلمات إلى المعاملة.

    أن يصبح الرجل الذي يتحدث عن الرحمة رحيمًا. والذي يتحدث عن العدل عادلًا. والذي يتحدث عن الأمانة أمينًا. والذي يطالب الناس باحترامه قادرًا على احترامهم.

    في النهاية، لا أحد يسأل الإنسان عن عدد المرات التي تحدث فيها عن الأخلاق. الناس يتذكرون كيف جعلهم يشعرون.

    هل أهنْتهم أم حفظت كرامتهم؟ هل ظلمتهم أم أنصفتهم؟ هل كنت عونًا لهم أم عبئًا عليهم؟ هل تركت في نفوسهم أثرًا طيبًا، أم جعلتهم يتنفسون الصعداء بعد أن غادرت؟

    ربما هنا يكمن الاختبار الحقيقي؛ فالدين لا يحتاج منا أن ندافع عنه بالكلمات كل يوم.

    يحتاج أن يرانا الناس فنكون دليلًا عليه، لا عبئًا عليه، وحين تصبح أخلاقنا صورة صادقة لما نؤمن به، لن نحتاج إلى أن نقول للعالم إن ديننا عظيم.

    سيعرف ذلك من خلالنا.

    أما أن يكون بين أيدينا دين يدعو إلى الرحمة والعدل والصدق والتواضع، ثم يرانا الناس قساة وظالمين وكاذبين ومتعالين...

    فالمشكلة ليست في تعاليم الدين.المشكلة أننا نحن الذين لم نتعلم بعد كيف نشبهها. وبقي أن نقول نحن قرآن يمشي على الأرض، تعاليمه باتجاه، وتصرفاتنا وأعمالنا باتجاه لا يشبهه.

    باختصار.. نحن أمة بحاجة إلى مصحّة نفسية لإعادة التأهيل من أول وجديد.."الله المستعان"

المزيد من مقالات (علي محمد سيقلي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال