السبت, 22 أغسطس 2026
91
اليمن لا يحتاج إلى تطوير و إصلاح الآلة فقط بل إلى استعادة الإنسان الذي يمسك بها، فحين نبحث عن اليمن في الخرائط نجده في مكانه؛ جباله لم ترحل، وبحاره لم تجف، ومدنه ما تزال تحمل أسماءها القديمة. لكن الأوطان لا تضيع حين تضيع الجغرافيا فقط، بل حين يضيع الإنسان الذي يمنح الجغرافيا معناها. ولهذا ربما يكون السؤال الذي نحتاج أن نطرحه اليوم مختلفًا: ماذا لو لم تكن البداية الحقيقية لاستعادة اليمن من السياسة وحدها، ولا من الاقتصاد وحده، ولا من إعادة بناء الطرق والمؤسسات، بل من مكان أصغر بكثير اسمه الأسرة؟
فالأسرة ليست غرفة جانبية في مشروع الوطن؛ إنها النسخة الأولى منه. فيها يتعلم الطفل أول معنى للسلطة من أبيه وأمه، وأول معنى للعدالة حين تُقسم الأشياء بينه وبين إخوته، وأول معنى للمواطنة حين يعرف أن له حقوقًا وعليه واجبات، وأول معنى للاختلاف حين يكتشف أن أخاه قد يريد ما لا يريد، وأول درس في السلام حين يرى خلافًا ينتهي بالحوار لا بالإهانة، وبالاعتذار لا بالانتقام والتشهير. ولذلك فإن الطفل الذي يتعلم داخل بيته أن القوي يستطيع أن يأخذ حق الضعيف، لن يبدو له غريبًا غدًا أن يفعل القوي الشيء نفسه في الوطن. والطفل الذي يرى الكبير يعتذر للصغير، سيفهم مبكرًا أن الاعتراف بالخطأ ليس سقوطًا للهيبة، بل ارتفاعًا في الأخلاق.
لهذا أعتقد أن إعادة إعمار اليمن ينبغي أن تبدأ من شيء لا تلتقطه صور الأقمار الصناعية: الإنسان. نستطيع أن نعيد بناء مدرسة، لكن من سيعلّم فيها؟ نستطيع أن نبني مستشفى، لكن بأي ضمير ستُقدَّم فيه الخدمة؟ نستطيع أن نعبّد طريقًا، لكن إلى أين سيقودنا إذا كان الإنسان نفسه قد أضاع الاتجاه؟ نستطيع أن نستورد أحدث الآلات، لكن الآلة لا تملك ضميرًا؛ الإنسان هو الذي يقرر إن كانت ستزرع قمحًا أم تحصد أرواحًا.
وهنا تكمن إحدى مفارقات عصرنا الكبرى: لقد تقدمت المادة بسرعة مذهلة، بينما لم تتقدم أخلاق الإنسان بالسرعة نفسها. صنعنا آلة تستطيع أن تعبر السماء في دقائق، لكننا لم ننجح بالقدر ذاته في تعليم القلب كيف يعبر المسافة القصيرة إلى قلب إنسان مختلف عنه. صغّرنا العالم بالاتصالات، ولم ننجح دائمًا في تكبير مساحة الرحمة بين سكانه. أصبحت الآلة أكثر ذكاءً، بينما بقي السؤال الأخطر معلقًا: هل أصبح الإنسان الذي يستخدمها أكثر حكمة؟
الإنسان ليس جسدًا يحتاج إلى الطعام والمسكن والأمان فقط؛ فيه جانب مادي، وفيه أيضًا عالم من الضمير والمحبة والعدل والرحمة والمعنى. وحين يتضخم الجانب المادي بينما يُترك الجانب الروحي والأخلاقي جائعًا، يحدث اختلال خطير: يصبح العلم قادرًا على صناعة القوة، لكنه عاجزًا عن تحديد الغاية منها. وهكذا تستطيع المعرفة نفسها أن تصنع جهازًا ينقذ قلب طفل، أو آلة توقف قلب مدينة كاملة. ليست المشكلة في الآلة؛ المشكلة في القيمة التي تسكن اليد التي تضغط الزر.
ومن هنا فإن المعادلة التي يحتاجها اليمن ليست: كيف نستعيد الدولة فقط؟ بل قبلها: كيف نستعيد الإنسان؟ لأننا حين نستعيد الإنسان، نستعيد معنى الآلة أيضًا. عندها تتحول التكنولوجيا من سباق لصناعة أدوات الموت إلى منافسة لصناعة أدوات الحياة؛ من آلات جهنمية تبحث عن أجساد لتدمرها، إلى آلات تسهر على علاج مريض، وري أرض عطشى، وتعليم طفل بعيد، وإنقاذ إنسان تحت الأنقاض، وتخفيف مشقة أم، وزيادة رفاه المجتمع. فالتقدم الحقيقي ليس أن تصبح الآلة أقوى من الإنسان، بل أن يصبح الإنسان أرقى من القوة التي صنعتها يداه.
ولهذا تبدو العودة إلى الأسرة مشروعًا وطنيًا لا شأنًا منزليًا. ففي البيت يمكن أن تبدأ ثورة هادئة لا تحتاج إلى بندقية: أبٌ يستمع بدل أن يأمر دائمًا، أمٌّ تربي على السؤال لا الخوف، زوجان يختلفان دون أن يكسرا كرامة بعضهما، طفل يتعلم أن خدمة أخته قوة لا ضعف، وأخوة يعرفون أن اختلافهم لا يلغي محبتهم. تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها البذور التي ستدخل غدًا إلى المدرسة والجامعة والسوق والمؤسسة والجيش والحكومة. فالوطن في النهاية لا يستورد مواطنيه من مكان آخر؛ إنهم يخرجون إليه كل صباح من البيوت.
لذلك، عندما نعلم طفلًا أن كرامة أخته ككرامته، فنحن لا نحل مشكلة أسرية فقط؛ نحن نكتب سطرًا في مستقبل المرأة اليمنية. وعندما نعلمه ألا يحتقر إنسانًا بسبب منطقته أو مذهبه أو طبقته أو أصله، فنحن لا نقدم درسًا في الأدب؛ نحن نغلق بابًا من أبواب حرب مستقبلية. وعندما نجعله يشارك في أعمال المنزل، ويحترم الكبير دون أن يخاف منه، ويرحم الصغير دون أن يستضعفه، ويعتذر حين يخطئ، ويحاور حين يختلف، فنحن نبني في داخله دولة صغيرة عادلة قبل أن نطالبه يومًا ببناء دولة كبيرة.
ولا تعني العودة إلى الأسرة العودة إلى الماضي بكل ما فيه؛ فليست كل عادة إرثًا يستحق البقاء. العودة الحقيقية هي إلى وظيفة الأسرة بوصفها مصنع الإنسان: نحتفظ من ماضينا بما يحفظ الكرامة والتكافل والرحمة وصلة الجار، ونملك الشجاعة لترك ما يورث العنف والتمييز والخوف والصمت. فالتراث جذور نستمد منها الثبات، لا سلاسل نربط بها أقدام أبنائنا. ويمكن لكل بيت يمني أن يبدأ إعادة الإعمار من الليلة، بلا ميزانية ولا مؤتمر: عشر دقائق يوميًا يسمع فيها الكبار أبناءهم حقًا؛ وجبة واحدة تجتمع حولها الأسرة دون أن تتحول إلى محكمة؛ خلاف واحد نتعهد ألا ندخل فيه الإهانة؛ خطأ واحد يملك الكبير شجاعة الاعتذار عنه؛مسؤولية منزلية يحملها الجميع؛ وسؤال بسيط نسأله لأطفالنا قبل النوم: ماذا فعلنا اليوم وجعل حياة إنسان آخر أفضل؟ لو تربى جيل كامل على هذا السؤال، فربما سيتغير شكل الأسئلة التي يطرحها اليمن على نفسه بعد عشرين عامًا.
لقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا لأننا اعتدنا البحث عن الوطن في الأماكن الكبيرة وحدها. وربما آن الأوان أن نفتش عنه في الأماكن الصغيرة: في طريقة حديث الأب إلى الأم، وفي يد الأخ حين تسند أخته، وفي الجار الذي يسأل عن جاره، وفي طفل يتعلم أن المختلف ليس عدوًا، وفي إنسان يفهم أن قوته ليست في قدرته على إيذاء الآخرين، بل في قدرته على حمايتهم.
اليمن ليس أرضًا نسكنها فقط؛ اليمن إنسان نسكنه. فإذا أردنا استعادة الوطن، فلنستعد الأسرة. وإذا أردنا استعادة الأسرة، فلنستعد الإنسان. وإذا استعدنا الإنسان، فسوف نستعيد العلم والآلة والمؤسسة والدولة إلى وظيفتها الأولى: خدمة الحياة لا صناعة الموت.
وعندها لن تكون أعظم علامة على تعافي اليمن عدد المباني التي ارتفعت من الركام، بل عدد الأطفال الذين كبروا دون أن يحملوا الركام في أرواحهم. فالأوطان قد تُهدم في سنوات، وقد يستغرق بناؤها عقودًا؛ لكن البناء الأعمق يبدأ كل صباح حين يفتح طفل عينيه في بيت يتعلم فيه أنه محبوب، وأن كرامته مصونة، وأن المختلف أخوه في الإنسانية، وأن القوة خُلقت للخدمة، وأن العلم أمانة، وأن الحياة أثمن من أن نحولها إلى ساحة لإثبات من الأقوى. هناك، في ذلك البيت الصغير، يبدأ اليمن الكبير.
ومن الأسرة التي نستعيد فيها الإنسان؛ سنستعيد الوطن بإذن الله تعالى.