الأحد, 23 أغسطس 2026
43
لم نعد ندري عن أيّ شيء من مآسيك نَنْعَى، يا زمن، ثقيل ظلك، ثقيل جلمودك، تهاويتَ من عَلٍ، حطّمتَ ودمّرتَ ما تبقّى من أحاسيس الروح والبدن.
فعمَّ ترانا نأمر الحرف والقلم؟ نأمر الفؤاد والقلب الجريح أن يتكلّم ويكتب؟ أنت أدرى بما زرعت، وما تركتَ من مصائب في سائر البدن.
اكتم نفسك، لا تتواهَ حزنًا، يا زمن. أنت مسجون بماخور المحن، سجنتك رمضاء الأكاذيب، تسحق ما تبقّى من أحلام المواطن، المواطن والوطن.
ولك من الجرأة أن تسألني: وما هي الأحلام التي تتحدثون عنها؟ إنها ترهات أقوال لمن لهم موقف، ممن يديرون شؤون البلد.
رحماك يا زمن، أن تبقى في ضميرك شيء، فقله. لم يعد لنا متّسع من الوقت؛ بات الموت يتخاطف أرواحنا نفرًا نفرًا.
ها نحن اليوم نلقى على أمّهات رؤوسنا قنابل هيروشيما وناغازاكي، تخطف ما تبقّى من جماليات زمنٍ مضى، وما تبقّى لنا غير دثار الحزن، وسواد أحلك اللحظات.
نستعيد مما تبقّى من ضوء، كي نرى، نودّع قامةً رحلت، أخًا عزيزًا، كريمًا، رحل، وما عاد لنا بصيص من نور أو أمل.
كي نودّع، كي نسلّم، نتجاذب أطراف الحديث عن حال مدينة أعيتها المحن، وعن حال بلدٍ تعبث به ألاعيب أبي لهب.
رحماك يا زمن، أن تبقى بعرف الديك، لزمنٍ ألعن من لعنات حملات الحطب.
رحماك، لِمَ تتخاطف البسطاء الطيبين وسواهم إلى جنات عدن، خارج الديار يسكنون جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، خاليةً من علل تقتل أهل المدينة والبلد.
أعزّي النفس، وأعزّي البلد، وأعزّي الأهل والأحباب، وكل الناس في عدن، وفي صنعاء، وفي كل أرضك يا يمن.
فما عدتَ لنا وطنًا، بل عدتَ مقبرةً نقبر بها الطيبين، الراحلين إلى جنات عدن. هم كُثر، وآخرهم عزيز الروح، طيب القلب، صاحب تاريخ تعرفه مدينته، مسقط رأسه، المعلا، عدن.. تعرفه صنعاء، والحديدة، وتعز.
فيا قلب، صبرًا، ويا عين، لا تذرفي الدمع. ولكن يا قلب وطن، قل وداعًا لمن سكنك عاشقًا طول الزمن.
وداعًا، وداعًا، أخانا الأعز، أحمد يوسف النهاري.
أخوك الحزين علي عبد الكريم..