قرأت مقال د. سعيد شرياف المنشور في صحيفة «الأيام» بعنوان «الجنوب العربي بين روح التاريخ ومَكره.. رؤية للمستقبل»، فوجدت فيه كثيرًا من الهدوء في تناول التاريخ والهوية، غير أنني اختلف معه في المنطلق الذي بنى عليه رؤيته، خصوصًا حين يتحول مفهوم «الجنوب العربي» من تسمية سياسية ظهرت في ظروف تاريخية محددة إلى هوية تاريخية جامعة يُراد إسقاطها على كامل جغرافية جنوب اليمن.
وهنا يحق لنا أن نسأل سؤالًا بسيطًا، لكنه أساسي: متى كان هذا الجنوب دولة واحدة، تمتد من المهرة إلى باب المندب؟
وأي هوية سياسية كانت تحملها هذه الرقعة الجغرافية قبل قيام الدولة الحديثة؟
هذه ليست أسئلة للمناكفة السياسية، وإنما أسئلة تاريخية لا يمكن تجاوزها إذا أردنا أن نبني المستقبل على قراءة صحيحة للماضي.
على مدى قرون طويلة، لم تكن المنطقة الممتدة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا دولة واحدة ذات سلطة مركزية واحدة. لقد تشكلت فيها إمارات ومشيخات وسلطنات متعددة، لكل منها نظامها السياسي وسلطتها المحلية وعلاقاتها الخاصة بالقوى المحيطة بها. وفي مراحل مختلفة، تجاوز عدد هذه الكيانات عشرين كيانًا سياسيًا.
كانت هناك سلطنة المهرة، وسلطنة حضرموت، وسلطنة القعيطي، وسلطنة الكثيري، وسلطنة العوالق، وسلطنة يافع، وإمارات ومشيخات أخرى، ولم يكن بينها جميعًا كيان سياسي واحد يسمى«الجنوب العربي».
ثم جاءت بريطانيا، التي لم تتعامل مع هذه المنطقة بوصفها دولة واحدة، بل أقامت منظومة من المحميات والاتفاقيات مع عدد من السلاطين والمشايخ.
وفي عام 1959 أُعلن اتحاد إمارات الجنوب العربي في إطار المشروع البريطاني لإعادة تنظيم محمياتها الغربية حول عدن. لكن هذا الاتحاد لم يكن دولة جنوبية تاريخية تمتد من المهرة إلى باب المندب، ولم تكن حضرموت والمهرة جزءًا منه. كما أنه لم يتحول إلى دولة ذات سيادة كاملة معترف بها دوليًا.
وهنا تظهر مفارقة تاريخية تستحق التوقف.
إذا كان «الجنوب العربي» دولة تاريخية راسخة، فأين كانت هذه الدولة قبل عام 1959؟
وإذا كان اتحاد إمارات الجنوب العربي هو التعبير السياسي عنها، فلماذا لم يشمل حضرموت والمهرة؟ ولماذا انتهى هذا الكيان مع انتصار ثورة 14 أكتوبر وقيام الدولة المستقلة؟.
هذه الأسئلة لا تنتقص من تاريخ الجنوب، وإنما تحاول أن تحمي التاريخ من إعادة إنتاجه وفق حاجات السياسة الراهنة.
لقد جاءت ثورة 14 أكتوبر 1963 في سياق مختلف تمامًا. لم تكن ثورة لإحياء اتحاد إمارات الجنوب العربي، ولا لتثبيت الكيانات التي أقامها الاستعمار، وإنما كانت ثورة ضد الوجود البريطاني وضد النظام السياسي الذي أقامه حول عدن.
وكان من نتائجها سقوط ذلك النظام وقيام دولة جديدة حملت في بدايتها اسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ثم أصبح اسمها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
إذا كان ثوار 14 أكتوبر قد أرادوا تأسيس دولة على هوية «الجنوب العربي» باعتبارها هوية منفصلة عن اليمن، فلماذا لم تكن الدولة التي أقاموها تحمل هذا الاسم؟.
ولماذا اختاروا «اليمن» اسمًا للدولة؟.
لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة التاريخية، حتى لو اختلفنا اليوم حول الوحدة اليمنية أو حول شكل الدولة ومستقبلها.
لقد كانت ثورة أكتوبر، في أحد أبعادها الأساسية، جزءًا من الحركة الوطنية اليمنية التي رأت في إسقاط الاستعمار وإقامة دولة مستقلة خطوة في طريق استعادة الهوية الوطنية والسيادة.
ثم جاءت الوحدة اليمنية عام 1990، وهي نتيجة سياسية وتاريخية لمسار طويل، وليست حادثة منفصلة عن تاريخ الدولتين اليمنيتين، قد يقول قائل إن الشعوب تتغير، وإن الهويات السياسية قابلة لإعادة التشكيل. وهذا صحيح. لكن المشكلة تبدأ عندما نأخذ تسمية سياسية محددة ظهرت في زمن الاستعمار ونحولها إلى حقيقة تاريخية ممتدة عبر القرون، ثم نبني عليها مشروعًا سياسيًا معاصرًا.
ليس من حق أحد أن يمنع الجنوبي من أن يعتز بتاريخه الجنوبي، ولا أن ينكر خصوصية عدن وحضرموت وشبوة وأبين والمهرة وسقطرى ولحج وغيرها. فالجنوب له تاريخ غني ومتنوع، وله شخصياته وحركاته السياسية والاجتماعية، وله تجربة دولة حديثة امتدت أكثر من عقدين.
لكن الاعتراف بكل ذلك شيء، وسلخ الجنوب من هويته اليمنية وإعادة تقديمه باعتباره كيانًا تاريخيًا اسمه «الجنوب العربي» شيء آخر، والأخطر أن هذه القراءة تتجاهل التنوع التاريخي داخل الجنوب نفسه.
فإذا كنا نتحدث عن«هوية الجنوب العربي» الواحدة، فماذا نفعل بالتاريخ السياسي لحضرموت؟ وماذا عن المهرة؟ وماذا عن يافع والعوالق ولحج وأبين وعدن؟ هل كانت جميع هذه المناطق تنظر إلى نفسها بوصفها دولة واحدة قبل أن ترسم بريطانيا حدودها وترتب علاقاتها السياسية؟.
إن التاريخ لا يسمح لنا بمحو هذا التنوع بمجرد وضع اسم واحد فوقه؛ بل إن محاولة صناعة هوية جنوبية واحدة متجانسة قد تكون أكثر ظلمًا للتاريخ الجنوبي نفسه، لأن الجنوب لم يكن تاريخًا واحدًا، وإنما كان تاريخًا متعدد المراكز والكيانات والهويات المحلية.
ثم جاءت الدولة الحديثة، وكان أحد أهم إنجازاتها أنها نقلت الناس من الانتماءات السياسية الضيقة إلى إطار وطني أوسع، وهنا تحديدًا تكمن أهمية ثورة 14 أكتوبر.
لقد أسقطت الثورة الكيان الاستعماري الذي كان يسمى «اتحاد إمارات الجنوب العربي»، ولم تعمل على توريثه للأجيال التالية. لذلك فإن محاولة إعادة إحياء ذلك الاسم باعتباره هوية أصلية للدولة الجنوبية تتجاهل حقيقة أن ثوار أكتوبر أنفسهم كانوا أول من أسقط الكيان الذي يُراد اليوم تقديمه باعتباره أصلًا تاريخيًا.
التاريخ ليس صندوقًا نختار منه ما يناسب حاضرنا ونترك ما لا يناسبه، ولا ينبغي أن يتحول التاريخ إلى أداة لإنتاج شرعية سياسية لمشاريع معاصرة.
إذا أراد بعض الجنوبيين اليوم دولة مستقلة، فليطرحوا مشروعهم السياسي بصراحة، وليقولوا إنهم يريدون الانفصال عن الجمهورية اليمنية، وليقدموا حججهم السياسية والقانونية والتاريخية. يمكن مناقشة ذلك والاختلاف معه.أما أن نبحث عن دولة لم تكن موجودة بهذا الشكل، ثم نعيد بناء تاريخ المنطقة كله حولها، فهذه مسألة مختلفة.
الانفصال مشروع سياسي يمكن أن يختلف الناس حوله، أما اختراع تاريخ جديد لتبريره فليس مشروعًا سياسيًا، وإنما إعادة كتابة للتاريخ.
ولست هنا بصدد الدفاع عن أخطاء دولة الوحدة أو إنكار المظالم التي وقعت في الجنوب. فقد أخطأت الوحدة، وأخطأت السلطة، ووقعت مظالم وإقصاءات وحروب، وكل ذلك يحتاج إلى اعتراف ومعالجة وعدالة؛ لكن معالجة أخطاء الوحدة لا تحتاج إلى اختراع هوية بديلة لليمنيين في الجنوب.
يمكن للجنوبي أن يكون جنوبيًا في خصوصيته، ويمنيًا في هويته الوطنية، دون تناقض؛ ويمكن أن نختلف حول شكل الدولة، وحول المركزية والفيدرالية، وحول مستقبل الوحدة، دون أن نعيد صياغة التاريخ كي يخدم موقفًا سياسيًا بعينه.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخنا هو أن نجعله تابعًا للحظة السياسية؛ فالتاريخ لا ينبغي أن يكون وقودًا للانقسام، وإنما مادة لفهم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه، ولذلك، فإن السؤال الذي أراه أكثر أهمية من سؤال«كيف نستعيد الجنوب العربي؟» هو: كيف نبني دولة يتساوى فيها أبناء عدن وحضرموت والمهرة وشبوة وأبين ولحج والضالع وسائر اليمن، ويحترم فيها تاريخ الجنوب وخصوصيته دون أن يُمحى تاريخ اليمن؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم.
أما «الجنوب العربي» الذي صنعه الاستعمار في خمسينات القرن الماضي، فقد كان كيانًا سياسيًا عابرًا لمرحلة تاريخية محددة، وأسقطته ثورة 14 أكتوبر.
أما جنوب اليمن، بتاريخ مدنه وقبائله وسلطناته وحركاته الوطنية ودولته الحديثة، فهو قصة أخرى أكثر تعقيدًا وثراءً، ومن حقنا أن نختلف في السياسة؛ لكن ليس من حق السياسة أن تعيد كتابة التاريخ.