أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:38 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • قرار الغاز خطوة شجاعة.. وعدن بحاجة إلى إدارة تسبق الأزمات

    عبدالناصر أحمد قائد




    ليس المطلوب من المسؤول أن يمنع الأزمات كلها، فبعضها تفرضه الحرب، وبعضها يأتي من خارج الحدود، وبعضها تصنعه تقلبات الأسواق واضطرابات طرق الملاحة. لكن ما يستطيع المسؤول فعله، وما ينتظره منه المواطن، هو أن يقرأ مؤشرات الأزمة قبل أن تتحول إلى طوابير ومعاناة واختناقات في الشارع.

    ومن هنا، فإن قرار محافظ العاصمة عدن بكسر احتكار سوق الغاز وفتح باب الاستيراد والمنافسة يمثل خطوة شجاعة وفي الاتجاه الصحيح، لأنه يتعامل مع المشكلة من زاوية مختلفة: زيادة الخيارات، وكسر الاحتكار، وتخفيف الضغط عن المواطن، بدل إبقاء السوق رهينة لمصدر واحد.

    والأهم في هذه الخطوة هو التوجه نحو تخصيص الغاز المحلي القادم من مأرب للاستهلاك المنزلي واحتياجات المواطنين، مقابل الاعتماد على الغاز المستورد لتغطية احتياجات القطاع التجاري والمركبات. وإذا طُبقت هذه الآلية بصورة منظمة، وخضعت للرقابة والمتابعة، فإنها يمكن أن تخفف الضغط على حصة المواطن وتمنح السوق مساحة أكبر للاستقرار.

    نحن لا نعيش في ظروف طبيعية حتى نطالب السلطة المحلية بحلول مثالية لكل مشكلة. البلاد تعيش واقع حرب وأزمة اقتصادية معقدة، فيما تضيف التوترات الإقليمية واضطرابات خطوط الملاحة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والاستيراد أعباء جديدة على الأسواق المحلية.

    وهذه حقائق لا يمكن تجاهلها.

    لكن الاعتراف بصعوبة الظروف لا يعني الاستسلام لها، بل يفترض أن يدفعنا إلى التفكير بطريقة مختلفة في إدارة المدينة واحتياجات سكانها.



    لا ننتظر الأزمة حتى تصل إلى المواطن

    المشكلة التي عانت منها عدن طويلًا ليست دائمًا في غياب الحلول، وإنما في أن كثيرًا من الحلول تأتي بعد وقوع الأزمة، وبعد أن تبدأ الطوابير، وترتفع الأسعار، ويزداد غضب الناس، ثم تبدأ الجهات المعنية في البحث عن المعالجات.

    وهنا يجب أن نتوقف.

    لماذا لا نعرف مبكرًا أن مخزون سلعة حيوية يقترب من مستوى الخطر؟.

    لماذا ننتظر حتى يحدث الاختناق ثم نبدأ البحث عن مورد أو شحنة أو بديل؟.

    ولماذا لا تكون لدى العاصمة منظومة إنذار مبكر تراقب احتياجاتها الأساسية على مدار العام؟.

    قرار الغاز الأخير يقدم فرصة مهمة للانتقال من سياسة إطفاء الحرائق إلى سياسة منع اندلاعها من الأساس.

    ولهذا نقترح على قيادة المحافظة إنشاء مكتب أو آلية دائمة لاستشراف وإدارة الأزمات والاحتياجات الحيوية، ترتبط بالمحافظ مباشرة، ولا تتحول إلى جهاز بيروقراطي جديد، وإنما تكون فريقًا صغيرًا وفعالًا مهمته جمع المعلومات وتحليلها ورفع الإنذار قبل وقوع المشكلة.

    تكون أمام هذا الفريق بصورة مستمرة أرقام واضحة: كم يكفي مخزون الغاز؟ وماذا عن الوقود؟ وما وضع المواد الغذائية الأساسية؟ وما البدائل المتاحة إذا تعطل أحد مصادر الإمداد؟ وكيف ستتأثر عدن إذا ارتفعت تكاليف الشحن أو تعطلت خطوط الملاحة أو حدث تطور إقليمي مفاجئ؟.

    هذه المعلومات يجب ألا تُجمع عندما تقع الأزمة، بل قبلها بأسابيع وأشهر.



    حماية السوق لا تقل أهمية عن توفير السلعة

    فتح باب المنافسة خطوة مهمة، لكن الأهم هو استمرارها.

    فالاحتكار لا يعود دائمًا بقرار معلن، وإنما قد يعود تدريجيًا عندما يخرج المنافسون من السوق أو تتحكم جهة ما بمفاصل التوريد والتوزيع.

    ولهذا فإن المطلوب ليس كسر الاحتكار اليوم فقط، وإنما بناء سوق يمنع عودته غدًا، ويضمن تعدد الموردين وتكافؤ الفرص واستمرار تدفق السلع بأسعار عادلة قدر الإمكان.

    وفي الملفات المرتبطة بحياة الناس، يجب أن تكون لدى السلطة المحلية بدائل جاهزة دائمًا؛ لأن الاعتماد على مصدر واحد في زمن الحرب والتقلبات الإقليمية مخاطرة لا ينبغي للعاصمة أن تتحملها.



    عدن بحاجة إلى عقل يدير الأزمة قبل وقوعها

    عدن مدينة كبيرة، وعاصمة وميناء ومركز اقتصادي، وأي اختناق في الغاز أو الوقود أو الغذاء أو الخدمات ينعكس سريعًا على مئات الآلاف من المواطنين وعلى النشاط التجاري والاقتصادي للمدينة.

    ولهذا فإن إدارة مدينة بحجم عدن لا يمكن أن تقوم فقط على التعامل مع أزمة اليوم، بل على الاستعداد لأزمة الغد قبل وصولها.

    نريد إدارة تعرف أين يمكن أن تظهر المشكلة قبل أن يراها المواطن في الطابور.

    ونريد منظومة تضع البديل قبل تعطل المصدر، وتتحرك قبل نفاد المخزون، وتمنع الاحتكار قبل أن يتحكم بالسوق.

    وهنا تكمن أهمية قرار الغاز الأخير.

    فإذا كان هذا القرار قد كسر احتكار سلعة أساسية، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون كسر احتكار أسلوب إدارة الأزمات نفسه؛ أي الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط والاستباق.

    الوقاية دائمًا أقل كلفة من العلاج، والقرار الذي يُتخذ قبل الأزمة أكثر فاعلية من عشرات القرارات التي تُتخذ بعدها.

    ولهذا نقول لمحافظ العاصمة عدن: قراركم بشأن الغاز خطوة شجاعة وفي مكانها، ونأمل أن تكون بداية لمنهج جديد في إدارة العاصمة، لا مجرد معالجة لأزمة عابرة.

    عدن تستحق إدارة تسبق أزماتها، وتحمي احتياجات أهلها، وتبني البدائل قبل الحاجة إليها.

    فالمدينة التي تستعد للغد جيدًا، تستطيع أن تواجه أصعب الظروف بأقل الخسائر.

    وذلك هو التحدي الحقيقي أمام قيادة العاصمة اليوم.

المزيد من مقالات (عبدالناصر أحمد قائد)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال