الاثنين, 21 سبتمبر 2026
57
خصص معالي الوزير يومًا لمقابلة المواطنين، والاستماع إلى شكاواهم، في مشهد يوحي لأول وهلة أن أبواب الدولة فُتحت أخيرًا، وأن المواطن سيخرج من المكتب وقد حمل في يده حلًا، أو على الأقل وعدًا يمكنه أن يعلّقه على جدار البيت.
دخل المواطنون تباعًا.
أغلبهم لم يأتِ طالبًا قصرًا ولا سيارة فارهة، بل وظيفة تستره من ذل السؤال، وراتبًا يقيه شر الحاجة، وفرصة عمل تقول له إن الدولة ما زالت تتذكر أنه مواطن.
قال أحدهم: أريد وظيفة.
والآخر: أريد وظيفة.
وثالثهم: أي وظيفة، المهم أن يكون لها راتب في آخر الشهر.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.
فالوظيفة التي يطالب بها المواطن باعتبارها حقًا مشروعًا، لا يملك الوزير نفسه حق منحها.
المواطن يعتقد أن الوزير هو الدولة، والوزير يعرف أن الدولة موزعة بين قوانين ولوائح وقرارات وجهات أخرى، وأن الكرسي الذي يجلس عليه يمنحه وجاهة المنصب أكثر مما يمنحه صلاحيات حل أزمات البلاد.
وبين هذا وذاك، يبقى المواطن ممسكًا بملفه، والوزير ممسكًا بصلاحياته المحدودة، وكل منهما ينتظر من الآخر أن يفعل المستحيل.
لكن مكتب الوزير لا يخلو من الزوار الذين يعرفون الطريق جيدًا.
حضر أصحاب الواسطة، والمقربون، والمطبلون، وبعض الذين يجيدون الوصول إلى المسؤول قبل أن يصل إليه أصحاب الحاجة.
هؤلاء لا يحتاجون إلى شرح طويل.
واحد يريد صورة سيلفي مع معاليه، وآخر يهمس في أذنه بطلب خاص، وثالث يكتفي بأن يخرج من المكتب وهو يقول للناس: «الأمور طيبة».
أما المواطن الذي جاء يحمل ملفًا من الأوراق، فقد خرج بالملف نفسه، لكن مع صورة تذكارية تثبت أنه قابل معالي الوزير.
وفي بلد أصبحت فيه الصورة أحيانًا أقوى من القرار، قد تكون تلك الصورة هي الإنجاز الوحيد الذي خرج به الجميع.
أما الوزير، فغادر يومه وقد استمع إلى عشرات الشكاوى، ووعد بما يستطيع، واعتذر عما لا يستطيع، ثم عاد إلى مكتبه ليكتشف أن المنصب يمنح صاحبه هيبة كبيرة، لكنه لا يمنحه عصا سحرية.
الخلاصة:
وزير بلا وظائف، ومواطن بلا وظيفة، وقوانين لا تسمح للوزير بمنح الوظيفة، ووسطاء لا يحتاجون أصلًا إلى وظيفة.
وفي النهاية، لا شيء يذكر...
سوى عشرات الصور، وبعض الهمسات، وعبارة محفوظة عن ظهر قلب:
«إن شاء الله خير».
وفي اليمن، يبدو أن «إن شاء الله خير» أصبحت آخر وظيفة شاغرة... ولا أحد يعرف من يملك قرار التعيين فيها.
المشكلة ليست أن الوزير لا يريد أن يساعد المواطن، ولا أن المواطن لا يعرف كيف يطلب حقه؛ المشكلة أن منظومة الحكم صنعت من بعض الوزراء واجهة للسلطة أكثر من كونهم أصحاب سلطة.
ولهذا يبدو المشهد مضحكًا من الخارج ومؤلمًا من الداخل:
وزيرٌ يتحدث بلغة الدولة، ومواطنٌ يتحدث بلغة الحاجة، وبينهما قرار لا يملكه الأول، وحاجة لا يستطيع الثاني تأجيلها.
وفي النهاية، يخرج المواطن من باب الوزارة، ويخرج الوزير من باب الصلاحيات.