أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:30 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • المخا التي سقطت في أيام.. هل هُزم المقاتل أم انهارت القيادة؟

    اللواء سعيد الحريري




    ما حدث في الساحل الغربي ليس هزيمة عسكرية عادية يمكن المرور عليها ببيان مقتضب يتحدث عن «إعادة تموضع»، ولا يمكن تفسيره ببساطة باعتباره تفوقًا عسكريًا حوثيًا كاسحًا.

    فالمدن والجبهات قد تسقط، والجيوش قد تتراجع، وهذه طبيعة الحرب. لكن عندما تنهار جبهة واسعة أُنفقت على إعدادها سنوات، وتنسحب قوات امتلكت الوقت والسلاح والتحصينات والتدريب، فإن السؤال لا يعود: كيف تقدم الحوثي؟ بل يصبح: كيف انهارت منظومة الدفاع بهذه السرعة؟.

    وهذا هو السؤال الذي أعاده إلى الواجهة التحليل المنسوب للواء الأردني فايز الدويري، الذي أشار إلى أن السيطرة العسكرية التقليدية على هذا الامتداد الساحلي، إذا واجهت دفاعًا متماسكًا، كان يفترض أن تكون عملية طويلة ومكلفة، لا انهيارًا متسارعًا خلال أيام. 
    • ما حدث لا يشبه معركة تقليدية 
    في الحسابات العسكرية، الأرض لا تُقاس بالكيلومترات وحدها، بل بالوقت والقوة والخسائر والمقاومة التي احتاجها المهاجم للسيطرة عليها.

    وعندما نتحدث عن قوات أُعدت طوال سنوات، وتمتلك معسكرات وأسلحة ومعدات ووسائل استطلاع واتصالات ومواقع دفاعية، فإن المتوقع عسكريًا أن يدفع المهاجم ثمنًا باهظًا لكل اختراق، حتى لو انتهت المعركة في النهاية بانتصاره.

    لكن عندما تتهاوى المواقع تباعًا، وتتراجع القوات عبر مساحات واسعة خلال فترة قصيرة، فإننا ننتقل من البحث في قدرات المهاجم إلى البحث في حالة المدافع وقيادته وسيطرته وتماسكه.

    وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما حدث. 
    • هل هُزم الجنود أم هُزمت القيادة؟ 
    هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق توزيع الاتهامات.

    الجندي الموجود في الخندق لا يصنع وحده قرار الحرب، ولا يحدد وحده متى يقاتل ومتى ينسحب، ولا يحرك الاحتياطيات ولا يدير الطيران والاستطلاع والإمداد.

    هناك قيادة، وغرفة عمليات، وسلسلة أوامر، وخطط دفاع، واحتياطيات، ومحاور إسناد.

    لذلك فإن تحميل المقاتلين وحدهم مسؤولية ما حدث سيكون هروبًا من السؤال الحقيقي:

    ماذا فعلت القيادة في الساعات الحاسمة؟

    من أصدر أوامر الانسحاب؟

    أين كانت الاحتياطيات؟

    كيف سقطت المواقع تباعًا؟

    لماذا لم تتحول الطرق والمحاور والمدن والمواقع المحصنة إلى خطوط دفاع متتالية تستنزف المهاجم؟

    وكيف أمكن لقوة مهاجمة أن تحقق في أيام ما كان يمكن أن يحتاج إلى وقت طويل لو واجهت منظومة دفاع تعمل بكفاءة؟ 
    • المشكلة ليست في سقوط المخا وحدها 
    المخا ليست مجرد مدينة.

    إنها جزء من مسرح عمليات يرتبط بالساحل الغربي وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

    ولذلك فإن خسارة هذا المسرح لا ينبغي التعامل معها بوصفها شأنًا محليًا أو خسارة موقع عسكري فحسب.

    الأخطر أن الانهيار السريع يفتح سؤالًا يتجاوز المخا نفسها:

    إذا كانت جبهة أُعدت لسنوات قد انهارت بهذه السرعة، فما الضمان ألا يتكرر السيناريو في جبهة أخرى؟

    الجيوش المحترفة لا تخشى الاعتراف بالهزيمة بقدر ما تخشى عدم معرفة أسبابها. 
    • والحديث عن «الصفقة»؟ 
    سرعة الانهيار دفعت كثيرين إلى الحديث عن ترتيبات إقليمية ودولية، وعن تسليم مواقع أو تفاهمات جرت خارج الميدان.

    هذه فرضيات لا يجوز تحويلها إلى حقائق دون أدلة.

    لكن لا يجوز أيضًا إغلاق باب السؤال.

    التحقيق العسكري المحترف هو وحده القادر على تحديد ما إذا كان ما حدث نتيجة تفوق ميداني للحوثيين، أم انهيار في القيادة والسيطرة، أم اختراقات استخباراتية، أم أوامر انسحاب خاطئة، أم مزيجًا من عدة عوامل.

    فالشك لا يصنع حقيقة، لكنه قد يصنع سؤالًا مشروعًا يستوجب التحقيق. 
    • طارق صالح أمام مسؤولية لا يمكن تجاوزها
    في المؤسسة العسكرية، المسؤولية تتناسب مع حجم القيادة.

    ولهذا فإن السؤال عن أداء قوات طارق صالح لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية معه، كما لا يجوز إعفاؤه من المسؤولية لمجرد الاعتبارات السياسية.

    لقد امتلكت هذه القوات سنوات للإعداد والتدريب والتسليح والتحصين.

    وعندما تأتي لحظة الاختبار، فإن المعيار العسكري يصبح بسيطًا وقاسيًا: 
    • ماذا فعلت القوة عندما هوجمت؟ 
    ليس المطلوب إدانة قائد قبل التحقيق، بل المطلوب ألا تكون الرتب والمواقع السياسية حصانة ضد المساءلة.

    فإذا كان هناك تقصير، يجب تحديده.

    وإذا صدرت أوامر انسحاب، يجب معرفة مصدرها ومبرراتها.

    وإذا كانت هناك خيانة أو اختراقات، كما يردد البعض، فيجب إثباتها بالأدلة لا بالشائعات.

    وإذا كان المهاجم قد حقق تفوقًا عسكريًا حقيقيًا، فيجب الاعتراف بذلك ودراسة أسبابه. 
    • نريد تحقيقًا لا بيانات تبريرية 
    ما يحتاجه اليمن اليوم ليس مزيدًا من البيانات الإعلامية.

    نحتاج إلى لجنة عسكرية مهنية مستقلة تضع أمامها خرائط العمليات وسجلات الاتصالات وأوامر التحرك والانسحاب، وتستمع إلى قادة المحاور والألوية والكتائب والجنود الذين كانوا في الخطوط الأمامية.

    ويجب أن تجيب بوضوح:

    من اتخذ القرار؟

    من قاتل؟

    من انسحب؟

    من أمر بالانسحاب؟

    ما حجم القوة المهاجمة الحقيقي؟

    كم كانت القوة المدافعة؟

    وما حجم الأسلحة والمعدات والذخائر التي فُقدت أو تُركت؟

    هذه ليست أسئلة للانتقام، وإنما أسئلة ضرورية حتى لا تتكرر الكارثة. 
    • أخطر اختراق ليس اختراق الخندق
    لقد أثبتت الحروب مرارًا أن الجبهة لا تسقط دائمًا عندما يخترق العدو المتاريس.

    أحيانًا تسقط عندما يصل الخلل إلى القيادة.

    يمكنك أن تمتلك آلاف الجنود وأحدث الأسلحة وعشرات المعسكرات ومخازن مليئة بالذخيرة، لكن إذا تعطلت القيادة والسيطرة، أو غابت الخطة، أو فقد المقاتل ثقته في القرار الذي يصله، فإن القوة الضخمة قد تتحول في ساعات إلى وحدات تبحث عن طريق الانسحاب.

    وهنا تكمن العبرة الحقيقية مما جرى في الساحل الغربي.

    المشكلة ليست فقط أن الحوثي تقدم.

    المشكلة أن جبهة أُعدت لسنوات لم تستطع أن تجعل تقدمه بطيئًا ومكلفًا.

    ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا حتى تظهر الحقيقة كاملة هو:

    هل انتصر الحوثي عسكريًا فعلًا، أم أن منظومة الدفاع انهارت أمامه قبل أن تخوض المعركة التي أُعدت لها؟

    الإجابة عن هذا السؤال ليست مهمة لمعرفة من يتحمل مسؤولية الماضي فحسب، بل لمنع أن نشاهد المشهد ذاته غدًا في تعز أو مأرب أو أي جبهة يمنية أخرى.

    فالجيش الذي لا يحقق في أسباب هزيمته، يترك أسباب الهزيمة نفسها تنتظره في المعركة القادمة.

المزيد من مقالات (اللواء سعيد الحريري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال