أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:00 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حين يذهب الطفل إلى العمل بدلًا من المدرسة: من يسرق مستقبل اليمن؟

    د. جلال حاتم




    ​في صباح يُفترض أن يحمل فيه الطفل حقيبته المدرسية، يحمل بعض أطفال بلادنا صناديق الخضار، أو يعملون في الورش والمزارع، أو يتجولون في الشوارع بحثاً عن رزقٍ يساعد أسرهم على البقاء. وهنا يصبح السؤال: لماذا أصبحت الأسرة اليمنية مضطرة إلى الاختيار بين تعليم طفلها وإطعامه؟

    الأرقام ثقيلة. تشير بيانات اليونيسف إلى أن نحو 3.2  ملايين طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، وأن 12.5 % من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة منخرطون في عمل الأطفال، وترتفع النسبة في المناطق الريفية إلى 15.4 %.

    وزادت التطورات الأخيرة الأزمة سوءًا. فمنذ 10 أيام، وتحديدًا في 16 سبتمبر 2026 أعلنت اليونيسف أن تجدد الأعمال العدائية منذ مطلع الشهر أدى إلى نزوح أكثر من 104  آلاف شخص، بينهم أكثر من 57 ألف طفل، وإغلاق أو تعليق الدراسة في 243 مدرسة، مما أثر في أكثر من 137 ألف طالب وطالبة.

    لكن وراء هذه الأرقام حكاية اقتصادية أشد خطورة.
    فالطفل لا يغادر المدرسة إلى سوق العمل لأنه يفضل العمل على التعليم، بل لأن أسرته فقدت القدرة على الانتظار. الطعام والدواء مطلوبان اليوم، بينما عائد التعليم مؤجل إلى المستقبل. وهكذا تختار الأسرة، مضطرة، البقاء اليوم على حساب الغد.

    وهذا نموذج واضح لـِـ "فخ الفقر": الفقر يدفع الطفل إلى ترك المدرسة، وتركها يقلل معارفه ومهاراته وفرص حصوله مستقبلًا على عمل منتج ودخل أفضل، فيُعاد إنتاج الفقر في الجيل التالي.

    ولذلك فإن عمالة الأطفال ليست مأساة إنسانية فحسب، بل خسارة وطنية في رأس المال البشري. فالطفل العامل قد يضيف مبلغًا محدودًا إلى دخل أسرته اليوم، لكنه يخسر جزءاً من دخله وفرصه المستقبلية. وبعبارة اقتصادية موجزة: اليمن يستهلك مستقبله لتمويل حاضره.

    والأزمة أعمق من مجرد التسرب؛ إذ تشير اليونيسف، استنادًا إلى بيانات حكومية يمنية، إلى أن 94.7 % من الأطفال في سن العاشرة غير قادرين على قراءة نص بسيط وفهمه. فإذا كان ملايين الأطفال خارج المدرسة، وكان كثير ممن 
    بداخلها لا يكتسبون المهارات الأساسية، فمن سيكون معلم وطبيب ومهندس وفني الغد؟

    الحل لا يكون بمنع الطفل من العمل وإعادته إلى أسرة لا تجد ما تأكله، بل بالجمع بين التعليم والحماية الاجتماعية: دعم الأسر الأشد فقراً، وربط المساعدات ببقاء الأطفال في التعليم، وتحسين أوضاع المعلمين، وتوفير التعليم التعويضي لمن فقدوا سنوات دراسية.

    لكن ذلك يظل علاجًا ناقصًا ما لم يستعد الاقتصاد قدرته على توفير الدخل وفرص العمل للبالغين. وهنا تكمن المفارقة: مكافحة عمالة الأطفال تبدأ بتوفير العمل للكبار.

    إن من يسرق مستقبل الطفل اليمني ليس عاملًا واحدًا؛ إنها الحرب، والقوة الإقليمية التي تمعن في حصار البلاد، والفقر، وانهيار دخل الأسرة، وتعطل المدرسة، وضعف الحماية الاجتماعية.
    وحين يعود الطفل من السوق إلى المدرسة، يكون اليمن قد بدأ فعلًا الاستثمار في مستقبله.

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال