الأحد, 25 أكتوبر 2026
60
في بلدٍ أنهكته سنوات الصراع، قد يبدو سؤال "ما هو الهدف الأسمى من الحياة؟" ترفًا فكريًا أمام أسئلة الخبز والدواء والأمان. لكن الحقيقة أن هذا السؤال يقف خلف تفاصيل يومنا جميعًا: لماذا نعمل؟ ولماذا نتعلم؟ وما الذي يجعل حياتنا، رغم قسوتها، جديرة بأن تُعاش؟.
ليس الهدف الأسمى مجرد أن يفتش الإنسان عن معنى يرضيه، أو أن يجمع مالًا ويترك اسمًا يردده الآخرون. إنما أن يدرك أنه لم يُخلق عبثًا، وأن علاقته بالله لا تنفصل عن مسؤوليته تجاه الإنسان والأرض. فالعبادة ليست كلمات تؤدى في أوقاتها فحسب، بل صدقٌ في المعاملة، وإتقانٌ في العمل، ورحمةٌ في الموقف، وشجاعةٌ في نصرة العدل.
وحين نتحدث عن استخلاف الإنسان في الأرض وإعمارها، فنحن لا نتحدث عن شعار يُرفع في المناسبات. الإعمار يبدأ حين يتقن المعلم درسه، ويعامل الطبيب مريضه بكرامة، ويرفض الموظف الرشوة، ولا يغش التاجر في الميزان، ويزرع المزارع أرضه بما يحفظ ماءها. هذه الأعمال الصغيرة ليست هامشًا في رسالة الإنسان؛ إنها صورتها اليومية الأكثر صدقًا.
وفي اليمن، حيث أرهقتنا الانقسامات وضاقت فرص الشباب، نحتاج إلى إعادة تعريف النجاح. ليس الناجح من يرتفع وحده فوق الآخرين، بل من يجعل تقدمه نافذة لغيره. الطالب الذي يعلّم طفلًا انقطع عن المدرسة، والمهندسة التي تسهم في توفير مياه نظيفة لقريتها، وصاحب المشروع الذي يمنح فرصة عمل عادلة، جميعهم يجيبون عن سؤال الحياة بالفعل، لا بالخطب.
ولا يمكن أن نبني وطنًا يتقدم بنصف طاقته. تعليم الفتاة وتمكينها من المشاركة، مثل تعليم الفتى، ليس قضية جانبية؛ إنه استثمار في عقل المجتمع وضميره ومستقبله. كذلك لا يكون الاختلاف في المذهب أو المنطقة أو الدين أو الرأي مبررًا لانتقاص كرامة أحد. فالقيمة الإنسانية تسبق التصنيفات، والوطن يتسع للجميع حين نحترم إنسانيتنا المشتركة.
ثم إن طلب الحقيقة يحتاج إلى عقل يسأل ولا يكتفي بالتقليد، وإلى قلب لا يخشى المعرفة. العلم والإيمان ليسا خصمين؛ فالعلم يكشف لنا كيف نعالج المشكلات، والقيم تمنحنا البوصلة التي نختار بها ما ينفع الناس. وحين يجتمعان، يصبح التعليم وسيلة لتحرير العقول، لا مجرد شهادة معلقة على الجدار.
أما العدل، فلا يُقاس بجمال ما نقوله عنه، بل بموقفنا عندما يكون ثمنه مصلحة شخصية. هل ننصف المختلف معنا؟ هل نصغي إلى الشباب والنساء عند اتخاذ القرار؟ هل نحل خلافات الحي بالتشاور بدل فرض الصوت الأعلى؟ هذه أسئلة بسيطة، لكنها تفرّق بين مجتمع يكرر الفضائل ومجتمع يمارسها.
ومع ذلك، لا يكفي أن نطالب الأفراد بالاستقامة ثم نغض الطرف عن مسؤولية المؤسسات. فالتعليم، والقضاء المنصف، والخدمات، وشفافية المال، ليست منحًا، بل حقوق تصنع البيئة التي يستطيع فيها الناس خدمة مجتمعهم. المسؤولية إذن مشتركة: مواطن يؤدي واجبه، ومسؤول يقبل المحاسبة، ومجتمع يحمي الضعيف من أن يُترك وحيدًا.
قد يعجز الفرد عن إيقاف حرب أو إصلاح مؤسسة بمفرده، لكنه ليس عاجزًا عن بدء تغيير قريب منه. يستطيع أن يخصص ساعة أسبوعيًا لمحو الأمية، أو يشارك في تنظيف شارع، أو يدعم أسرة متعففة، أو يرفض إشاعة تُلهب الكراهية. وما يبدو جهدًا محدودًا يتضاعف حين يصبح عادة جماعية.
ولكي لا تبقى النوايا كلامًا، يمكن لكل مدرسة أن تتبنى يومًا لخدمة الحي، ولكل مجلس محلي أن يفتح باب التشاور مع الأهالي، ولكل أسرة أن تربي أبناءها على أن كرامة الجار لا تتوقف على اسمه أو انتمائه. هكذا تتعلم الأجيال أن المحبة مسؤولية، وأن الوحدة تُصنع بالممارسة.
إن الغاية الأسمى من الحياة، في نهاية الأمر، ليست أن نسأل ماذا أخذنا منها، بل ماذا أضفنا إليها. نقترب من غاية خلقنا كلما تحولت عبادتنا إلى أمانة، ومعرفتنا إلى نفع، واختلافاتنا إلى تعاون، وأحلامنا إلى عمل. وبذلك لا يصبح إعمار اليمن أمنية مؤجلة، بل يبدأ من قرار يتخذه كل واحد منا، اليوم.