الأحد, 25 أكتوبر 2026
89
تعلمنا منذ الصغر أن "النعيم لا يدرك بالنعيم" وهي مقولة حكيمة أطلقها أحد حكماء المسلمين كابن القيم أو الشعبي أو الثوري، ومقصوده أن نعيم الآخرة في الجنة لا يحصل بنعيم الدنيا في الغالب، لأن في العادة، النعيم وهو الغنى والترف يلهيان صاحبهما عن الاهتمام بما أعده الله للمؤمنين الصابرين المجاهدين، وهكذا الحال عندما نتحدث عن القيادة العسكرية والسياسية في زمن النضال الوطني أو الحرب العسكرية أو الجهاد الشرعي، إذ لا تُقاس مشروعية القيادة في لحظات المنعطفات التاريخية الكبرى بحجم البيانات الصادرة من الملاذات الآمنة، ولا بعدد الساعات المقتطعة على شاشات الفضائيات بوجوه شبعة وأجساد ناعمة، بل بمدى القرب الوجداني والمادي من الجمر الذي يكتوي به الناس؛ فالنضال لأجل استعادة الدولة، وبناء الكيانات الوطنية المقاومة، ليس مشروعًا استثماريًا تُدار أرباحه وخسائره من العواصم النائية والغرف المكيّفة، بل هو مكابدة يومية وتلاحم أخلاقي يرتبط فيه المصير بالرمز.
وإنها لمن أشد المفارقات فجائعية أن يتحدث البعض عن التضحية والتحرير بينما تتجلى على هيئاتهم آثار الترف والبذخ، في وقتٍ يئن فيه المواطن والمقاتل تحت وطأة الجوع والبرد والمخاطر؛ إذ إن القضايا الوطنية التي تُفصل فيها النخبة الحاكمة عن الجماهير أصحاب المصلحة الحقيقية تتحول إلى مجرد شعارات مفرغة من محتواها الأخلاقي والسياسي.
بطبيعة الحال، يبرز في هذا السياق طرحٌ استراتيجي موضوعي يرى في حماية القائد وإبعاده عن خطوط القتال المباشرة ضرورةً لحفظ مركز القرار، وتجنبًا لشلل المؤسسة أو انكسار الرمزية الوطنية عند استهدافه؛ وهو طرحٌ له سقفه المبرر في أصول الإدارة العسكرية والسياسية، إذ إن خسارة رأس القيادة قد تكلف الميدان أثماناً باهظة وتدخل البلاد في فراغ ملحمي. غير أن الخلل المفهومي والأخلاقي يقع حين يُخلط بصورة متعمدة بين «التأمين الأمني الضروري» وبين «العزلة المترفة»؛ فأن تتخذ القيادة تدابير حذرٍ واحتياط لحماية حياتها ومركز إدارتها شيء، وأن تستمرئ الحياة الناعمة وتتباعد عن شظف عيش شعبها شيء آخر تمامًا. إن التأمين حقٌ للمشروع تُسبله الأمة على قائدها، وليست رخصة شخصية تمنح القائد مسوغًا للتنصل من تبعات المعركة، أو الاستئثار برغد العيش وسط أنقاض الوطن.
وهنا يجيب سجل التاريخ السياسي والعسكري، وعلى رأسه النموذج النبوي الخالد؛ فقد كان النبي محمد ﷺ القائد الأعلى للجيش والدولة، وكان أصحابه يحيطونه بالحماية ويتخذون له العريش في بدر للتدبير، دون أن يستتبع ذلك يومًا استئثارٌ بمتاع أو مجافاةٌ للميدان. لقد كان ﷺ في مقدمة الصفوف يوم أحد يُدمى وجهه الشريف وتُكسر رباعيته، وفي الخندق يحمل التراب بيده حتى اغبرّ بطنه ويربط الحجر على بطنه من شدة الجوع كأي جندي في الميدان، وفي حُنين يثبت على بغلته ينادي العدو والصفوف تتراجع من حوله؛ فكانت شجاعته الميدانية هي الرسالة الأخلاقية التي صاغت مفهوم القيادة بالقدوة. وعلى هذا النهج سار الفاروق عمر بن الخطاب في «عام الرمادة»، حين حرم على نفسه طيب الطعام والعيش حتى شحب لونه وتغير جسده، مؤكدًا أن رمزية الحاكم لا تُصان بالحجب والتأنق بل بتقاسم القوت واللأواء، ولله دره حيث قال لأمراء الحرب خاصة والناس عامة "اخشوشنوا". وهو السلوك ذاته الذي جسده الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي حين أدار معاركه من خيمته الميدانية حول عكا، مشاطرًا جنوده البرد والطين ومسخرًا خزانته كليًا للرباط.
ولم تكن هذه الروح القيادية محصورة في النطاق الحضاري الإسلامي وحده، بل شكلت القانون الناظم لكل نضال استقلالي ناجح عبر التاريخ الإنساني؛ إذ إن الرمزية الوطنية لا تُمنح مجانًا، بل تُنتزع من قلب المعاناة والالتحام بالناس. فلم يكن جورج واشنطن ليغدو «أبًا للأمة الأمريكية» لولا ثباته في شتاء «فالي فورج» القارس وسط جنوده الجياع ورفضه الانسحاب إلى البلدات المريحة، ولا استحق وينستون تشرشل لقب «أسد بريطانيا» لولا تركه الملاجئ الحصينة عقب كل موجة قصف جوي ووقوفه المباشر بين المواطنين فوق أنقاض لندن المهدومة. إن هذه الألقاب لم تُصنع في صالونات الفنادق ولا على منصات التواصل، بل تعمدت بشظف الميدان ودموع الضحايا، وأكدت أن الروح المعنوية للشعوب تُصنع بالشعور الصادق بأن القيادة تقاسي ذات المصير وتعيش ذات الخطر.
فالنضال الصادق لأجل استعادة الدولة ومؤسساتها يستلزم مراجعة حاسمة لهذه الظاهرة المعاصرة التي اختزلت الفعل السياسي والنضالي في الشاشات والمنابر الخارجية، حيث يظهر القادة بأجساد متنعمة وهندام مترف وكأن الوطن لا يمر بحالة حرب، بينما تدفع الجماهير الفاتورة الدموية والاقتصادية من قوت يومها وأرواح أبنائها. إن إعادة الاعتبار لمفهوم «القيادة الشريكة في المعاناة» هي المدخل الوحيد لإعادة الثقة المفقودة بين الشارع والمشروع الوطني؛ إذ إن التاريخ لا يحفظ للذاكرة قضايا انتصرت بالوكالة، ولا دولًا استُعيدت بأيدي قادة يطالبون شعبهم بالصمود من داخل أروقة الفنادق وفنون الدلع والدلال.